الكثير من الناس بدأ يلحظ الانتشار السريع لمفهوم ريادة الأعمال، بحيث أن من يتابع عن كثب سيجد أنه لا يكاد يمر يوم دون أن يقرأ مقالة أو يسمع بدورة جديدة تحرّض على الاستقلال وإطلاق المشاريع، أو مُسابقة خاصة بالمشاريع الريادية، أو حتى افتتاح مساحات عمل ومسرعات أعمال جديدة، لدرجة أن صناع القرار في بعض الحكومات على الصعيد العربي بدأوا بسن قوانين خاصة دعت إليها هذه الظاهرة أسوة ببلدان غربية مُتقدمة. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا.. هل الأمور تتم بشكل صحيح؟ هل جميع من استقل واتخذ في نفسه قرارًا بأن يُصبح رائد أعمال هو صائب بقراره؟ هل جميع البشر يصلحون كي يكونوا روّاد أعمال؟ هل اتخاذ القرار بتنفيذ أي فكرة أو حل لمُشكلة وبناء شركة ناشئة في أي ظرف هو أمر ناجح؟ وأسئلة كثيرة تدور في هذا الفلك.

مقالنا الآن بعيد كل البعد عن بث التشاؤم أو إحباط الناس عن البدء، وهو أقرب إلى دعوة للتفكير بشكل سليم قبل اتخاذ القرار والخوض في غمار ريادة الأعمال.

“الأشياء العظيمة لا تحدث عبر الحدس أو التوقع  |  الرسام المشهور فان جوخ”

إن اتجاه ريادة الأعمال والهالة الكبيرة التي تدور حوله وما نقرأه أو نسمعه من قصص نجاح لشركات ناشئة سريعة النمو جعلت أصحابها خلال فترات قياسية من أصحاب الملايين والمليارات خاصة في مجال المشاريع التقنية حمّست الكثير من الأشخاص ممّن يمتلكون بعض الأموال إلى المُجازفة دون أن يبنوا أساسًا صحيحًا عمليًا وعلميًا يُمكّنهم من خوض هذا المجال والاستمرار به فكان الفشل حليفهم ببساطة!

لنخرج عن سياق الكلام العام ودعونا نخوض بشيءٍ من التفصيل..

من المُرجّح أنك سمعت أن نسبة فشل المشاريع الناشئة (بخاصة التقنية منها) مُرتفعة بشكل كبير للغاية، لدرجة أن بعض الدراسات تُشير إلى أن نحو 90% من المشاريع التقنية الناشئة لا تُكمل عامها الرابع!

هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى فشل المشاريع الناشئة والتي بإمكانك الاطلاع عليها من خلال المقالة: لماذا تفشل معظم المشروعات الناشئة ؟! وسنتوقف الآن على مبدأ أساسي مهم جدًا يكاد يغفله الكثير ممّن بدأوا بتأسيس شركاتهم مُنطلقين من سؤال بسيط: هل وفرة المال لدى رائد الأعمال/المؤسس مُرتبطة بنجاح شركته الناشئة؟

هناك العديد من المفاهيم الخاطئة للأسف والتي نجدها غالبًا لدى أصحاب الأموال من غير المُختصين، فعلى صعيد المشاريع التقنية المُرتبطة بالإنترنت دعونا نُعرّفكم على عبارة “الأمر بسيط” وما يليها!

  • الأمر بسيط.. سأحجز خادم واسم نطاق، وسأطلب من أحدهم برمجة موقعي ثم سأوظّف شخص لمُتابعة العمل وأشتري بعض الحملات الإعلانية من هنا وهناك ثم سأبدأ بتحصيل الأرباح من الإعلانات والتي ستأتيني بآلاف الدولارات بعد فترة بسيطة.
  • الأمر بسيط.. سأبحث عن مُطوّر تطبيقات ليبني لي تطبيق مُشابه لأحد التطبيقات الأكثر طلبًا ثم سأرفعه على متجر التطبيقات وأتركه ليقوم الناس بتحميله بمئات الآلاف وأحصل بدوري على الأرباح دون عناء.
  • الأمر بسيط.. سأشتري خدمة جديدة جاهزة بأموالي وسأضع موظفين جدد لمُتابعتها بينما أنا أتابع أعمالي الأخرى الخاصة وسأصل إلى مرحلة النجاح وتحصيل الأرباح الوفيرة.
  • الأمر بسيط.. سأستورد بعض المُنتجات الجاهزة وأفتتح متجر الكتروني وتأتي الناس ببساطة لتشتري من متجري لأن منتجي جذّاب.

يا عزيزي.. توقّف، فأنت مُبذّر لأموالك دون أي جدوى!!

لا نُنكر أبدًا بأن المال في المشاريع الريادية وكأي مشاريع أخرى هو أمر ضروري توفره، وأن غياب أو عدم توفّر مصادر التمويل بشكل كافي يؤدي بالنهاية إلى توقف المشاريع في الغالب. إنما الأمر هنا لا يرتبط بوفرة المال بل يرتبط بحنكة صاحب المال وكيفية صرفه.

تُشير بعض الدراسات إلى أن التقييم الخاطئ لحجم الشركة الناشئة في السوق هو من أكثر الأمور التي تؤدي إلى فشل تلك الشركة، فضخ الأموال بشكل كبير في البداية والتوسّع السابق لأوانه “Premature Scaling” سيخطو بالشركة الناشئة نحو طريق الفشل.

إن استنزاف التمويل والصرف على التسويق بشكل عشوائي أو على جلب موظفين جدد دون منهج واضح هو أشبه بالحفرة التي تتوسّع بالتدريج لابتلاع المشروع.

إذًا فمنهج النجاح في المشاريع الريادية لا يرتبط بالمال وتوفره، وهُنا تنطبق تمامًا المقولة التي تنص على أن الجيوب الفارغة لم تمنع أحدًا من إدراك النجاح. فعلى رائد الأعمال أن يتحلّى بصفات تُمكنه من خوض الصعاب والسير بمشروعه نحو النجاح ولعلّ من أبرز تلك الصفات:

  • الشغف.
  • فهم جميع تفاصيل ما يجري والعمل كفرد من فريق ومع الفريق.
  • قابلية التغيير وسرعته، واتخاذ القرارات المُناسبة في أوقاتها الصحيحة.
  • التعلّم الدائم والتطوير والاستمرار بالتطوير.
  • الفهم الصحيح للتسويق ومفاهيمه في أي مجالٍ كان.

لكن.. هل يعني هذا أن المال غير ضروري لنجاح المشاريع الناشئة؟

على العكس تمامًا، وفرة المال هو أمر مهم للغاية، إنما على رائد الأعمال ألّا يجعل تحصيل المال هو الهدف الأول في مشروعه الناشئ، وأن يستثمر جُلّ وقته في تطوير خدمته والبحث عن أساليب تسويق جديدة وتنمية قاعدة مُستخدمي أو مُشتري خدماته بدلًا من البحث عن مصادر للتمويل أو مُستثمرين منذ البداية.

إن الأعمال بمُجملها يجب أن تدور وفق نطاق الواقع والأسس الصحيحة. يُشير المرشدون إلى أهمية أن تؤسس فريق عمل ناجح وشركة ناجحة تعمل وفق نموذج عمل ديناميكي وذات نمو مُطّرد ثُمّ تُفكّر لاحقًا بالتوسّع، وعندها ستكون حظوظك أكبر بتحصيل المُستثمرين أو في القبول ضمن أحد برامج الاحتضان، فلا أحد يدفع أمواله على أفكار دون تنفيذ، ولن تجد هيئة تضع يدها بيدك دون أن يكون لديك نموذج عمل مُقنع ومنطقي.