كيف سيغير العمل عن بعد طبيعة العمل

في كتابه الذي صدر عام 2013 بعنوان “Office not Required” أو “لا داعي للمكتب” يتساءل جاسون فرايد مؤسس منصة العمل الجماعي Basecamp عن السبب الذي يجعل المكاتب ضمن آخر الأماكن التي يُفضلها الأفراد لإنجاز مهام العمل.

يقول فرايد في كتابه الذي أصدره بالشراكة مع دافيد هانسون، عندما تسأل الموظفين اليوم عن المكان الأنسب لإنجاز مهام العمل على الشكل الأمثل، قلة منهم فقط سيذكرون المكتب، في حين سيختار الكثيرون أماكن من قبيل المقاهي، غرفهم الخاصة في المنزل، بعضهم سيفضل المطبخ على المكتب.

أما القلة ممن اختاروا المكتب، على الأغلب سيخبرونك بأنهم يميلون لإنجاز المهام في المكتب صباحًا وقبل أن يلتحق الآخرون بمكاتبهم، أو يفضلون البقاء مساءً بعد أن يفرغ المكان، أو قد يختارون الذهاب للمكتب في نهاية الأسبوع وأيام العطلة.

إذ ما بين زحام المواصلات والتأخر المتعمد أو غير المتعمد، إلى جانب تبادل أطراف الحديث بين كل دقيقة وأخرى مع الزملاء في المكتب الواحد، وعدة دقائق في تحضير كوب القهوة، فترات استراحة تتجاوز الأوقات المخصصة لها، وسلسلة اجتماعات لا تنتهي، ورنين هواتف يملأ المكان. الأمر الذي جعل من المكاتب على حد وصف المؤلف آلة هدر للوقت وتشتيت للانتباه أكثر منها أماكن للعمل وإنجاز المهام.

وبالتالي من الطبيعي ألا تكون المكاتب خيارًا ملائمًا لإنجاز مهام العمل في نظر الكثيرين عندما تكون على هذا الشكل.

العمل عن بعد والإنتاجية

العمل عن بعد والإنتاجية

لنلقي نظرة على تجربة Ctrip وكالة السفر الصينية الأضخم التي تشغل نحو 16,000 موظف، خلال العام 2014 سمحت للبعض من موظفيها بالعمل من المنزل، ومن ثم بعد مرور فترة من الزمن على نموذج العمل الجديد هذا، قارنت مدى كفاءتهم وإنتاجيتهم بنظرائهم الذين التزموا بفترات الدوام التقليدية في المكاتب.

مع الأخذ بالاعتبار أن كل العوامل الأخرى متكافئة، أفادت النتائج بأن العاملين عن بعد أجروا مكالمات أكثر بمعدل 13.5% عن نظرائهم العاملين في المكاتب، وهو ما يعادل إنتاجية يوم عمل كامل على مدى أسبوع.

إحصائيات أخرى تقول أن الإنتاجية ترتفع بمعدل يصل حتى 30% في فرق العمل عندما تبدأ باستخدام تطبيقات العمل الجماعي المخصصة للفرق التي تعمل عن بعد.

العمل عن بعد والرضا الوظيفي

العمل عن بعد والرضا الوظيفي

يشير مفهوم الرضا الوظيفي إلى مقدار السعادة والتأثير الإيجابي للوظيفة على الحالة النفسية والذهنية للعاملين. لذلك فإن المعدلات الجيدة للرضا الوظيفي التي يتمتع بها موظفو شركة ما، تجعل منهم أصولًا ذات قيمة للشركة، سفراء للعلامة التجارية، ومستعدين دومًا للدفاع عنها، وما يترتب على ذلك من شعورهم بالانتماء والولاء وبالتالي الفخر بوظائفهم وإنجازاتهم ودور ذلك في تحقيق أهداف الشركة.

لا شك أن الرضا الوظيفي مرتبط بالعديد من العوامل الأخرى، ولا يقتصر الأمر فقط على العمل عن بعد. إلا أن الأمر المؤكد وبحسب ما نملكه من بيانات متاحة حول هذا الموضوع أن نموذج العمل الجديد واحد من العوامل المهمة التي تلعب دورًا رئيسيًا في مدى الرضا الوظيفي الذي يمكن أن يتمتع به الموظفون تجاه المؤسسات التي يعملون لصالحها.

تقول ديانا لانجلي، مسؤولة الموارد البشرية في منظمة أوكسفام التي تتبنى نظام العمل عن بعد: “يشعر الموظفون بالتمكن والقوة عندما يتم التعامل معهم على قدر واحد من المساواة عبر نموذج العمل الجماعي عن بعد وبغض النظر عن مكان تواجدهم في العالم”

المرونة في الإدارة

المرونة في الإدارة

بفضل تطبيقات العمل الجماعي مثل Slack أو trello وغيرها يغدو من السهل على فرق العمل عن بعد التفاعل فيما بينها عبر هذه التطبيقات، إذ يغدو التفاعل أسرع وأسهل وأكثر كفاءة، يمكن لأيّ كان التواصل مباشرةً مع أي شخص داخل الفريق بغض النظر عن مكان تواجد أي من الطرفين.

أضف لذلك تواجد قائمة كاملة بأعضاء الفريق في مكان واحد (ضمن التطبيق) ويمكن الوصول لها بشكل مباشر، ولكل عضو فيها ملف شخصي خاص به يعرض فيها وظيفته في الفريق والمهام المسؤول عنها، يُسهل على مدراء الفرق البحث عن الشخص المناسب لمهمة ما.

فتطبيق Slack على سبيل المثال أحد أشهر تطبيقات العمل الجماعي اليوم، كان الغرض الرئيس من تأسيسه بدايةً هو تسهيل التواصل بين أفراد فريق Stewart Butterfield الذي كان يعمل على برمجة ألعاب الفيديو، قبل أن يتخلى الفريق عن مشروع ألعاب الفيديو ويركز على تطوير التطبيق الذي يعد اليوم من أسرع المشاريع الريادية نموًا في العالم.

تكاليف أقل على كل من الشركة والموظفين

تكاليف أقل على كل من الشركة والموظفين

أبرز الأسباب التي دفعت وكالة السفر الصينية Ctrip إلى تبني نموذج العمل عن بعد كان ارتفاع تكاليف إيجارات المكاتب في شنغهاي مقر العمل الرئيسي للشركة، فارتأت الإدارة أن السماح لبعض الموظفين بالعمل من منازلهم يعني حاجة أقل لمساحات العمل وبالتالي خفض تكاليف.

يتيح العمل عن بعد مزيدا من الخيارات لخفض التكاليف ولا يقتصر الأمر على تكاليف مساحات العمل فقط، لوازم تشغيل المكاتب وإدارتها وما يترتب على ذلك من نفقات على صعيد فواتير خدمات التشغيل وبدل مواصلات للموظفين وخدمات تشغيل وصيانة المعدات المكتبية وما إلى ذلك من التفاصيل يمكن الاستغناء عنها بشكل كلي بمجرد الاعتماد على فرق العمل عن بعد.

ما الذي نتوقعه مستقبلًا؟

ما الذي نتوقعه مستقبلًا؟

ارتفع معدل القوى العاملة عن بعد بين العامين 2005 حتى 2018 بنسبة 140%، 63% من الشركات الأمريكية لديها موظفون عن بعد، ويتوقع أن تصل نسبة العاملين عن بعد حتى 50% من إجمالي القوى العاملة بحلول العام 2020 بحسب إحصائيات Citrix.

إلا أنه على الرغم من التوجه الكبير تجاه العمل عن بعد، فإن الأمر لا يخلو من بعض التحديات التي تواجه الشركات والموظفين على حد سواء، لعل أبرزها:

  • المصاعب على صعيد التواصل هي أولى التحديات التي يمكن أن تواجه فرق العمل عن بعد، ولكن منصات العمل الجماعي اليوم سهلّت هذا الموضوع إلى أبعد الحدود، تطبيقات التواصل مثل Slack، Zulip، Facebook Workplace وغيرها تُمكّن فرق العمل من التواصل بأريحية، وحتى تمكنهم من عقد الاجتماعات بالصوت والصورة بشكل مباشر ومن أي مكان.
  • من الصعب على المدراء الذين يقودون فرق العمل عن بعد متابعة المهام التي يعمل عليها كل موظف بشكل فردي، ومن الصعب أن تعرف ما الذي يفعله كل موظف في الوقت الحالي، لذلك ابتُكرت أدوات مشاركة وتتبع المهام مثل Trello، Buckets، وغيرها من الأدوات الشبيهة التي تمكن الفريق الواحد من متابعة المهام أولًا بأول.
  • قد يواجه الموظفون صعوبة في التركيز على مهامهم عندما يقومون بعملهم من المنزل، وهذا الأمر يتطلب منهم بعض الجهد الإضافي في تنظيم بيئة عملهم وترتيب أولوياتهم على الشكل الأمثل.

هذا الفيديو يبين ما الذي يمكن أن يكون عليه الوضع إذا لم يتمكن الأفراد من تنظيم أمور المنزل لديهم عند العمل عن بعد.

إلا أنّ الأمر الجيد في الموضوع هو القدرة على التعامل مع أهم وأبرز التحديات التي يمكن أن تواجه نماذج العمل عن بعد سواء على الأفراد أو على الشركات، يعود الفضل بذلك إلى ما أتاحته لنا التقنية من تطبيقات وأدوات لهذا الغرض.

إذ تستخدم نحو 53% من الشركات اليوم أحد تطبيقات التواصل المخصصة للعمل حتى لو لم تكن الشركة تتبنى نموذج العمل عن بعد، ويتوقع أنه بحلول السنوات القليلة المقبلة ستحل هذه التطبيقات محل البريد الإلكتروني في بيئات العمل بشكل كلي.

لعل هذا يبين لنا مقدار التغير الذي سيطرأ على طبيعة العمل خلال السنوات القليلة المقبلة بفضل نموذج العمل عن بعد الذي تزداد أهميته يومًا بعد يوم كواحد من الخيارات الواعدة بالنسبة للشركات والعاملين على حد سواء.

نظرًا لأنه يمكّن الشركات من تقليل تكاليف التشغيل والإدارة كما أوضحنا أعلاه، يجعل العملية الإدارية أكثر كفاءة من حيث جعل الاتصال والتواصل بين الموظفين أنفسهم وبين الموظفين وإداراتهم يتم بصور مباشرة بغض النظر عن مكان تواجد أي من الطرفين، ولا ننسى العوائد التي يمكن أن تحققها الشركة من مقدار الرضا الوظيفي والولاء والإنتاجية العالية للموظفين العاملين عن بعد بالمقارنة مع الموظفين في المكاتب.

بالنسبة للموظفين أنفسهم، يتيح لهم العمل عن بعد مرونة أكبر في أوقات العمل وملائمتها مع مسؤولياتهم الأخرى الشخصية والأسرية على سبيل المثال، ودور ذلك في تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

كل هذا من شأنه أن يبشر بعصر جديد قادم على صعيد الحياة المهنية والشكل الذي ستكون عليه بيئات العمل. ففي الوقت الذي تغلق فيه المكاتب أبوابها مع نهاية اليوم، تبقى الشركات والمؤسسات بحاجة لمن يتابع مع عملائها وزبائنها على مدار اليوم، ويشرف على تقديم أفضل شكل من الخدمات بغض النظر عن نهاية يوم العمل وأوقات الدوام، الأمر الذي يؤكد حتمًا الحاجة المُلحة لنماذج عمل أكثر مرونة واستدامة من النماذج التقليدية المرتبطة بساعات عمل المكاتب فقط، وهو الأمر المتوافر في العمل عن بعد.

مما يعني أنه خلال السنوات القليلة المقبلة سنرى المزيد من الإدارات والمشاريع تتبنى العمل عن بعد، خاصة تلك القائمة على الخدمات التقنية، والتي يمكن فيها للموظفين إنجاز المهام من أي مكان.

ولكن قبل ذلك من الضروري أن يركز أصحاب المشاريع والمدراء إلى جانب الموظفين على حد سواء على التأسيس لصياغة أسلوب عمل جديد يلبي متطلبات العمل عن بعد واحتياجات فرق العمل الموزعة.

 

تم النشر في: العمل من المنزل،