من أخبرك بضرورة توسعة أعمالك؟ مراجعة لكتاب Company of One

في تقرير إحصائي لـ Startup Genome Project المؤسسة المتخصصة في مساعدة الشركات والمشاريع الناشئة على النمو، يقول التقرير أن 70% من المشاريع التقنية التي شهدت معدل نمو عالٍ فشلت خلال السنوات اللاحقة نتيجة سياسات النمو السريع.1

تقرير آخر من Kauffman Foundation لاحظ أن أكثر من ثلثي المشاريع التي صنفت في مجلة Inc بأنها الأعلى نموًا انهارت بشكل كلي خلال الخمسة إلى الثمانية سنوات اللاحقة.2

يذكر Paul Jarvis مؤلف الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته هذه الإحصائيات في إحدى المقابلات معه عقب صدور كتابه هذا، قائلًا في معرض حديثه إن الكثير من استراتيجيات النمو يتم تبنيها اليوم لمجرد السعي وراء النمو فقط ودون تفكير بأية عواقب محتملة لذلك وإذا ما كان فعلًا من المجدي للمشروع توسعة أعماله.3

الكتاب كان صدر أواسط العام (2019) بعنوان Company of One: Why Staying Small is the Next Big Thing for business، ويتحدث عن مفهوم شركات الفرد الواحد والمشاريع الصغيرة، ويبين الكاتب لماذا ليس دائمًا السعي وراء النمو هو الخيار الأفضل للمشروع.4

مفهوم الـ Company of One أو شركات الفرد الواحد

مفهوم الـ Company of One أو شركات الفرد الواحد

على الأرجح لم تسمع من قبل عن أقدم فنادق العالم، Nishiyama Onsen Keiunkan أقدم فنادق اليابان والعالم على الإطلاق، افتتح سنة 705 ميلادي في وادٍ ريفي تحيطه الجبال في ولاية يامانشي للجنوب الغربي من العاصمة اليابانية طوكيو.

وهو واحد من بين أمثلة بارزة عديدة ستتذكرها بعد انتهائك من قراءة الكتاب، ومن أبرز الأمثلة عن المؤسسات التي اختارت أن تبقى صغيرة وتجنبت استراتيجيات النمو على الرغم من قدرتها على ذلك.

إذ منذ تأسيسه وحتى اليوم يتألف الفندق من 35 غرفة إلى جانب 6 مسابح للمياه الدافئة، منذ إطلاقه لم يتوسع، لم تزداد عدد غرفه، بل وأكثر من ذلك ذات العائلة ما زالت هي المالكة للفندق والقائمة على إدارته منذ القرن الثامن الميلادي وحتى اليوم، أكثر من 50 جيلًا من العائلة تعاقَبَ على إدارته طوال تلك السنوات.

يسرد الكاتب العديد من الأمثلة الأخرى عن شركات اختارت أن تبقى صغيرة، عوضًا عن تبني استراتيجيات النمو والصعود الهائل التي تسعى له غالبية المشاريع والشركات الناشئة اليوم، ويؤكد في تعريفه لمصطلح “شركات الفرد الواحد” بأنه ليس بالضرورة أن تدار الشركة من قبل شخص واحد حتى يتسنى لنا تسميتها بشركة الفرد الواحد.

بل يكفي أن يكون التركيز الرئيسي للشركة على البقاء والاستمرار وليس النمو، أن تتمحور مجمل فلسفتها حول حياة المالك أو مجموعة المالكين، تؤمن لهم قدرًا كافيًا من الدخل، أو المستوى المطلوب من المعيشة وبما يضمن استمرار ذلك، دون الحاجة للتوسع والغرق في فوضى استراتيجيات النمو والصعود والهبوط بين كل حين وآخر، بهذه الطريقة يعرف الكاتب مفهومه عن شركات الفرد الواحد ومقصده من وراءه.

ليس دائمًا النمو هو الخيار الأفضل

ليس دائمًا النمو هو الخيار الأفضل

من السهل اتخاذ قرار النمو فالمغريات كثيرة وكلها تدفع بك صوب السعي وراء النمو وتوسيع أعمالك والدفع بمشروعك إلى دائرة المشاريع الريادية الكبيرة وجولات الاستثمار المليونية، هذا هو النمط السائد في عالم المال والأعمال بغض النظر عن نسبة الشركات التي تنجح فعلًا في ذلك.

العمل وفق سياسات وادي السيلكون ونموذج ريادة الأعمال الأمريكي يتطلب بالضرورة سعيًا دائمًا وراء تحقيق المزيد من المبيعات والمزيد من الأرباح وجذب المزيد من العملاء، دون أي اعتبار لتبعات ذلك وما قد ينتج عنه.

في هذا السياق يذكر الكاتب – Paul Jarvis – قصة مؤسسة يابانية أخرى تدعى Kongō Gumi، وهي شركة عريقة وقديمة كانت متخصصة في بناء المعابد البوذية، ولها باع طويل في ذلك يمتد لمئات السنين يجعلها تصنف من ضمن أقدم الشركات اليابانية.

استمر الأمر على هذا الحال حتى ثمانينات القرن العشرين عندما قررت الشركة التوسع في أعمالها ودخول سوق العقارات الياباني، وبعد أن حققت الشركة نجاحًا ملوحظًا في المجال سرعان ما تغير الأمر مع السوق العقاري هناك وبدأت الشركة تواجه مصاعب مالية نتيجة ذلك، مما اضطر الأمر بمالكيها إلى بيعها والاندماج مع شركة أخرى، وتحولت الشركة القديمة والعريقة وخبرات مئات السنين في بناء المعابد إلى شيء من الماضي.

كثيرة هي الأمثلة على المشاريع التي دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة سعي غير مدروس وراء النمو، وكثيرًا ما كان هذا الثمن هو وجود المشروع ككل، كما المثال السابق. يسلط الضوء الكاتب على هذه النقطة من العديد من الجوانب بدءًا من تبعات ذلك على الشركة نفسها إلى التبعات التي قد تؤثر على مالك المشروع والقائمين عليه كما سنرى فيما يلي من حديثنا.

السعي وراء البساطة

السعي وراء البساطة

مفهومنا عن امتلاك وإدارة مشروع ما يوحي لنا دائمًا بأنه عملية معقدة تستلزم الكثير من المهارات والخبرات والمعارف وقدرًا جيدًا من الحنكة والدهاء الإداري حتى يتسنى لنا العمل على مشروعنا الخاص والنجاح فيه، وفي الحقيقة لا شك أن في ذلك شيء من الصحة وباعتراف الكاتب، ولكن الأمر ليس كما هو في أذهاننا تمامًا.

بمرور الزمن تبنت عقولنا النموذج السائد للإدارة وحيثيات عالم المال والأعمال ودون وعي منا تشربنا المفاهيم المعاصرة لتأسيس وبناء المشاريع، وصارت جهود رواد الأعمال تتجه تلقائيًا نحو التوسع والنمو، زيادة عدد العملاء، زيادة عدد الفروع، زيادة عدد الموظفين، زيادة الأرباح، والقفز سريعًا إلى القمة.

وهذا دون اعتبار لكل التعقيدات التي تتراكم نتيجة هذا النمط من “التفكير التوسعي” والذي يؤدي بالضرورة إلى مزيد من المسؤوليات والمشاكل والصعوبات وعقبات على مستوى أعلى تواجه المشروع، ويتوجب على القائمين عليه التعامل مع المزيد من الضغوط والتوترات نتيجة كل ذلك. هذا عدا عما يتطلبه النمو من عمليات إدارية وتنفيذية كثيرة نتيجة توسع أعمال المشروع.

بالمقابل فإن المشاريع التي تختار الاستقرار وتتجنب سياسات النمو، دائمًا ما تكون أكثر مرونة وانتقائية في اختيار عملائها والجهات التي تود خدمتها، لا تستلزم إدارتها كل التعقيد الموجود في إدارة المشاريع الكبيرة، لديها القدرة للتركيز على خدمة الفئة المستهدفة فقط دون الانشغال بمنافسة الآخرين وجذب المزيد من الزبائن وتشتيت الجهود في العمل على أكثر من جانب وجبهة.

مشاريع الفرد الواحد تنتهج مبدأ تبسيط العمليات الإدارية والتنفيذية للمشروع قدر الإمكان وبما يحقق مصالح كل الأطراف للعاملين عليه والعملاء كذلك بحسب مفهوم بول جارفس في كتابه.

البساطة لا تعني السهولة

البساطة لا تعني السهولة

على الرغم من أن مشاريع الفرد الواحد تتبنى أسلوب البساطة في العمل وتتجنب التعقيد وكل ما يمكن أن يؤدي إليه قدر الإمكان، ولكن هذا لا يعني أن البساطة ستؤدي بالضرورة إلى سهولة إدارة المشروع.

أن تدير مشروعًا وفق هذا النموذج يعني إنك ستعمل على الكثير من الجوانب بنفسك ودون مساعدة الآخرين، لن يكون لديك الكثير من الموظفين – وقد لا يكون لديك موظفون أبدًا – لتوكيل المهام إليهم، يعني أنت من سيعمل على أمور التسويق والتنظيم والتواصل مع العملاء ومهام المتابعة والتنسيق والقضايا المالية والأمور التنفيذية الأخرى.

وهذا يفرض عليك أن تمتلك مهارات إدارية وتنظيمية مختلفة وفي جوانب عدة حتى تنجح في العمل على مهام مشروعك المختلفة، على الرغم من أنه ليس بالضرورة أن تعمل على المهام بنفسك، قد تستعن مثلًا بين الحين والآخر بخدمات المستقلين ورواد العمل الحر، أو توظف متخصصين عند الضرورة وذلك بحسب ظروف واحتياجات المشروع.

أيضًا، توفر الموارد بشكل كاف دائمًا ما يجعل الأمور أكثر سهولة، على سبيل المثال يمكن لشركة كبيرة تمتلك الكثير من الموارد أن تستعن بطرف ثالث لحل مشكلة معينة تواجهها الشركة، ولكن كثيرًا ما يكون من الصعب على المشاريع الصغيرة ومشاريع الفرد الواحد الاستعانة بأطراف ثالثة لحل مشكلة ما وذلك لأن الموارد قد لا تسمح، وبالتالي يتعين على الإدارة التعامل مع الموضوع وحل المشكلة بنفسها.

المغزى الذي أراد الكاتب إيصاله للقارئ من الإشارة إلى هذه الفكرة أن العمل بهذا النوع من المشاريع يتطلب شخصيات فذة ومرنة متعددة المهارات ويمكن لها تطويع قدراتها ومواهبها بحسب ما تتطلبه المواقف والظروف التي يمكن أن يخضع لها أحدهم.

مفهوم الكفاية

مفهوم الكفاية

من الأفكار الأخرى التي ستجذب انتباهك بشكل ملفت في حال قدر لك قراءة الكتاب، حديث الكاتب عن فكرة الكفاية، ولم يقتصر المؤلف في إسقاط هذه الفكرة على عالم المال والأعمال ومفهوم الشركات بل حتى تطرق لها على المستوى الشخصي.

يذكر الكاتب هنا موقفًا حصل معه أثناء حديثه مع أحد أصدقائه بينما كان يقضي معه بعض الوقت خلال أحد أيام الصيف، إذ ذكر له هذا الصديق أنه خلال الأشهر المنصرمة استطاع تحقيق أرباحًا تكفيه كنفقات معيشة لبقية أشهر السنة دون أن يضطر ليعمل طيلة الأشهر الباقية هذه.

وعلى الرغم من أنها قد تبدو فكرة غريبة للبعض، ولكن يتمحور جل المفهوم هنا حول الكفاية وما دام الشخص يمتلك ما يكفيه لبقية أشهر السنة، بالتالي يمكنه الاستمتاع بحياته طيلة هذه الأشهر بعيدًا عن العمل وأجوائه.

هي الفلسفة ذاتها التي تقوم عليها فكرة مشروع الفرد الواحد، إذ التركيز ينصب على الكفاية والاستمرار وليس على الجمع والاكتناز اللامحدود كما هو الأمر مع فلسفة عالم المال والأعمال اليوم وما يسعى له كل رائد أعمال وطامح يفكر بالعمل على مشروعه الخاص يومًا ما.

باختصار، الكتاب مليء بالنصائح والإرشادات والاقتراحات لكل من يفكر بالعمل على مشروعه الخاص ويحاول الابتعاد بتفكيره عن النموذج السائد في عالم المال والأعمال للوصول إلى ما يسعى له.

كذلك يعتبر الكتاب جرعة تحفيز وتشجيع للأشخاص الذين دائمًا ما تتغلب عليهم مخاوفهم وتحد من عزيمتهم على تنفيذ الخطوة الأولى نحو الهدف الذي يصبون إليه. أو أولئك الذين عزموا أمرهم بالفعل ولكنهم ما زالوا يحتاجون إلى بعض الإرشاد والتوجيه.

محتوى الكتاب موزع على فصول مرتبة تسلسليًا، يبدأ الكاتب بتعريف مفهوم شركات الفرد الواحد “Company of One” ثم ينتقل بالقارئ تدريجيًا ليعرفه على الطرق المثلى التي يمكن من خلالها إدارة هذا النوع من المشاريع، وكيفية تنظيم الجهود وتركيزها على الجوانب المهمة فعلًا. ويدعم كل ذلك بالأمثلة عن الكثير من المشاريع والشركات التي تبنت هذا المفهوم، ويتطرق أخيرًا إلى تجربته الشخصية في إطلاق مشروع من هذا النمط والمصاعب التي واجهته في البداية وأدت إلى تعثر مشروعه قبل أن تستقيم الأمور مجددًا.


المصادر: [1]،[2]،[3]،[4]

تم النشر في: مراجعات كتب