اختلف عالم الأعمال في العقود الأخيرة بشكل مُتسارع، فمن نظام الشركات الكبيرة والمناصب والدوام اليومي، إلى مفهوم الشركات الناشئة الصغيرة التي نجحت في كسر سيطرة  واحتكار الأسماء الكبيرة في جميع التخصصات، بل وأصبحت تسعى تلك الشركات الكبيرة إلى السيطرة على الأفكار الجديدة لكي تبقى في دائرة المُنافسة، دون أن تدرك أن المُشكلة ليست في حجم الابتكارات الخاصّة بها، بل المُشكلة تكمن في هيكلتها الخاصّة.

أدرك الكثير من روّاد الأعمال أن عملهم في شركات كبيرة لن يُغيّر الواقع، فالروتين والبيروقراطية في تلك الشركات مُتأصلين بشكل كبير، وبالتالي تحتاج الفكرة الجديدة للمرور بالكثير من الخطوات والموافقات قبل أن ترى النور، وهو ما يقتل الأمل والشغف، لذلك نرى جميع كتب، قصص، أو حتى أفلام روّاد الأعمال تبدأ بمشهد استقالة البطل من عمله وبدأه لحياة جديدة ومجازفة تحمل له النجاح بمخاطرة كبيرة.

النجاح سيأتي بالفعل طالما أن التفكير صائب، فبيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت، على سبيل المثال آمن بفكرته في إنشاء نظام تشغيل لإدارة الحواسب، وذهب مع صديقه وعملا معًا لبرمجة الإصدار الأول من نظام ويندوز. ليس هم فقط، فالكثيرين كانوا على شاكلتهم، ويتشابهون بشيء واحد.

البداية بفريق صغير

ريادة الأعمال أو استشراق المُستقبل تعني العمل ضمن فريق عمل، فليس هُناك بطل واحد من وجهة نظري، بل يجب أن يشعر جميع الأعضاء أنهم جزء من هذا الكيان، وإلا فلن يكون هناك اختلاف بين الشركة الناشئة والشركة التقليدية، وسيأتي الموظف إلى عمله لإتمام وظيفته فقط لأنه لا يشعر بقيمته الحقيقة.

يجب على رائد الأعمال مُحاولة الحفاظ على حجم شركته الصغير، ولا يحاول أن يجعله كبيرًا مهما كانت الظروف، لأن الانتقال والتطوّر في المنظمات الكبيرة صعب جدًا، وليكن لنا في شركة جوجل خير مثال، فهي أنشأت مُختبرات إكس X Labs التي تحوي بداخلها على فرق عمل مُنفصلة تعمل لإنشاء مشاريع جديدة للمُستقبل، وتُعامل تمامًا على أنها شركات مُنفصلة عن جوجل، بل حتى أنها تدفع تكاليف استخدام خوادم جوجل السحابية على سبيل المثال.

لذا اسعى دائمًا أن يكون حجم الشركة صغيرًا قدر المُستطاع، لتُسهّل عملية التطوّر واتخاذ القرارات، فحتى شركة آبل عندما تستحوذ على شركات ناشئة تقوم بفصلها عن فرق عمل الشركة الرئيسية، ولا يوجد تداخل بين الفرق إلا عندما تقضي الحاجة لذلك.

كما يمكنك الإعتماد على توظيف المستقلين في البداية حتى يمكنك إختبار الشخص جيدًا، حتى إذا عثرت على مستقل مميز يمكنك العرض عليه بتوظيفه ضمن شركتك الناشئة.  يمكنك البدء من هنا عبر منصة مستقل. فقط ابدأ بتصفح ملفات المستقلين ومعارض أعمالهم عبر الموقع.

أنواع الشركات الناشئة والحاجة للإبتكار

يجهل البعض أن للشركات الناشئة نوعان فقط لا ثالث لهما، فالشركة إما أن تسير في خط أُفقي، أو تسير في خط عمودي، وغير ذلك في عالم ريادة الأعمال لا يُمكن أن نُشاهد، فلا توجد شركة تسير في خط مائل، وهُنا الحديث عن أساس الشركة وليس نموّها أو وضعها الاقتصادي.

تخيّل معي فأرة الحاسب واعتبرها مُنتج تسعى لإنشاء شركة جديدة من أجله، الفكرة من الشركة الجديدة هي أن تحتوي الفأرة على زر ثالث على سبيل المثال. أنت بالفعل رائد أعمال وتمتلك فكرة ترغب في تحويلها إلى واقع، لكن في حقيقة الأمر أن هذه الشركة تسير على خط أفقي، لأنها تقوم بصناعة شيء موجود مُسبقًا في السوق، فهي تُكرر وتنسخ لكن بأسلوب مُختلف قليلًا.

في عالم الأعمال يُعرف هذا بالعولمة، أو بمعنى أدق الانتقال من 1 إلى س، حيث س تُمثّل عدد غير معلوم وقد يكون غير مُنتهي. لنأخذ الصين على سبيل المثال، فعلى الرغم من عظمتها الاقتصادية والانتاجية، إلا أن سياستها قائمة على فكرة بناء كل شيء تبنيه الولايات المُتحدة الأمريكية خلال حقبة تمتد على عشرين عام، وبالتالي هُم يُكررون كل ما هو موجود لكن بأنفسهم، بل حتى يقومون ببناء مُدن بطابع مُشابه لما هو موجود في الولايات المُتحدة أو بريطانيا، صحيح أن مدّة التنفيذ أسرع وتختلف، لكن هذا يضع الصين في بوتقة المُنافسة فقط دون وجود ابتكار.

الرقم واحد في معادلة الانتقال من “١ إلى س” يعني أن المُنتج موجود بالفعل ويأخذ أشكالًا كثيرة لا حصر لها، لكنها في النهاية هي المُنتج الأصلي – “١” – نفسه.

لكن في المُقابل يسمح الانتقال العمودي أو ما يُعرف بالانتقال من 0 إلى 1 بتحقيق الطفرات، وهو مفهوم مُستخدم في التقنية بشكل عام.

فلنأخذ هاتف آيفون على سبيل المثال، ففي وقت كانت الشركات جميعها تُتنج هواتف محمولة بلوحة مفاتيح تقليدية – أي أنها تنتقل من 1 إلى س، خرجت شركة آبل بمُنتج ثوري جديد دون لوحة مفاتيح، أي أنها جاءت بشيء جديد من العدم وانتقلت من “0 إلى 1” وحققت نجاحًا باهرًا تعيش عليه حتى هذه اللحظة.

دخلت آبل بمُنتج لا يوجد له مُنافس، وهو ما سمح لها بالاحتكار المُطلق، وبما أنها كانت الأولى في هذا المجال، أصبحت جميع الشركات التي تأتي إلى السوق تنتقل من “1 إلى س” لأنها تُكرر مُنتج موجود بالفعل، ولعل القضية بين آبل وسامسونج خير دليل على ذلك، فآبل ربحت جزءًا من الدعوة القضائية المرفوعة عام 2012، وحصلت على أموال جراء انتهاك سامسونج لبعض براءات الاختراع.

المُستقبل لا يُمكن توقعه أبدًا، لكن يجب أن يكون الاتجاه الرئيسي هو بناء شيء جديد وليس تكرار شيء موجود مُسبقًا، فدخول المشروع الناشئ في سوق فيه مُنافسة سابقة، يعني أن حجم الأرباح سوف يكون قليلًا لأن عامل السعر سوف يكون من أهم العوامل. لكن دخول السوق بفكرة جديدة كُليًّا وذات معنى، سوف يعني الاحتكار وتحقيق الأرباح، فالسعر لن يكون مُقيّد بأي عامل، ويحتاج رائد الأعمال وفريقه إلى ضبطه بطريقة تضمن لهم الاستمرار فيما بعد.

Peter Thiel واحد من أهم روّاد الأعمال في العالم، فهو من مؤسسي باي بال Paypal، إضافة لكونه أحد أعضاء مجلس إدارة شبكة فيسبوك الاجتماعية. بيتر يعمل بمبدأ الانتقال من “0 إلى 1” دائمًا. حاله حال Elon Musk مؤسس شركة تيسلا للسيارات الكهربائية، وSpaceX التي تسعى لبناء مركبات ووسائط نقل بين الأرض والفضاء.

تأسيس شركة ناشئة من الأمور الهامة جدًا في حياة رائد الأعمال، لكن إذا كان الهدف مادّي فقط، فإن مفهوم الانتقال من “1 إلى س” لن يكون له دور كبير في تحقيق الأرباح المادية، طالما أن المُنافسة موجودة من شركات ثانية. ليس هذا فقط، بل إن الشركات الكبيرة الموجودة في السوق مُسبقًا قد تقضي على الفكرة بشكل فوري إن لم تكن هُناك خبرة عند فريق عمل الشركة الجديدة. أما في حالة الانتقال من “0 إلى 1” فإن المُنافسة يجب أن تكون مع الذات فقط حتى وإن دخلت شركات جديدة للمُنافسة، ستبقى الكُرة في ملعبك طالما أنك أردت انتهاك سياسة الانتقال التي تعتمد على بناء أشياء جديدة بشكل دوري.