من كتاب Never Split The Difference: دروس من الإف بي آي سوف تساعدك في كسب مفاوضات العمل

تلقّى كريستوفر فوس، في صباح يوم إثنين من سنة 2004، مكالمة من الإف بي آي تستدعيه إلى دولة هايتي للمساعدة على إطلاق سراح عمّة رجل سياسيّ معروف، اختطفها رجال يطالبون مقابل حياتها بفدية بقيمة 150,000 دولار أمريكي، كان كريستوفر آنذاك رئيس قسم المفاوضة للإفراج عن الرّهائن لدى وكالة الإف بي آي، وبعد تقاعده من وظيفته قرّر أن يؤسّس شركة للاستشارات في مفاوضات العملِ بناء على خبرة ثلاثين عاما حصدها من مهنته، والتي تعلّم فيها مهارات وأساليب في المفاوضة بإمكانها أن تقلب أيّ موقف لصالحه.

في سنة 2016، نشر كريستوفر فوس كتابا يُلخّص ما تعلّمه في خلال مسيرته المهنية، بعنوان “Never Split The Difference” (“إيّاك أن تتقاسم نصيبك”)، وإليك دروساً منهُ قد تساعدك في الحصول على راتب أكبر أو وظيفة أفضل في مقابلة العمل القادمة.

علاقة مفاوضات الإف بي آي بالعمل

علاقة مفاوضات الإف بي آي بالعمل

عمل كريستوفر فوس، أثناء مسيرته المهنية، على حلّ مئات المفاوضات مع جماعات إرهابية وخاطفين مسلحين ومجرمين احتجزوا رهائن يطالبون -لإطلاق سراحهم أو الإبقاء على حياتهم- بملايين الدولارات الأمريكية. وقد وجد، من خلال هذه التجارب، أن المفاوضة مع هؤلاء المجرمين لا تختلف كثيرا عن مساومة مدير شركة على راتب شهري أو مناقشة صاحب عقار في سعر الإيجار، فجميع هؤلاء مساومون يحاولون أن يحصلوا على أفضل سعر.

ولا تقتصر هذه التشبيهات على عالم التجارة والأعمال، بل هي تمتدّ إلى كافة مناحي الحياة. عندما تكون طفل ربّما تحتاج للتفاوض مع والديك لتأخير موعد خلودك إلى النوم أو لتناول الحلويات قبل طعام الغداء، وعندما تصبح شابا تتفاوض مع أستاذك في الجامعة لرفع علاماتك، وعندما تتزوج تتفاوض مع شريكك لتخفيض تكاليف العرس أو تقليل المدعوين (أو ربما زيادتهم). وتشترك كل هذه الأمثلة في جوهر واحد، وهو أنّك تحاول إقناع شخص بإعطائك شيئا تريده، إذا استطعت -بالتالي- أن تجعل من نفسك مفاوضا بارعا فإنك تصبح مؤهلا للنجاح في كل منحى من حياتك، وهذا ما يسعى الكتاب لمساعدتك على تحقيقه.

  1. المفاوضة ليست معركة

عندما انضمّ كريستوفر فوس إلى الإف بي آي، كانت الطريقة التقليدية في إدارة مفاوضات الإفراج عن الرهائن مع الخاطفين والمجرمين هي بالدّخول في مجاذبة معهم تنتهي بفوز أحد الطرفين بكلّ ما يريد وبخسارة الطرف الآخر لكلّ شيء، ولكن كريستوفر تعلّم -بالتجربة الصعبة- أن هذا خطأ جسيم، فالمناقشة الهادئة والمتعقّلة تأتي دائما بنتيجة أفضل. قد تظن أن المفاوضين الناجحين هم من يغضبون ويهدّدون ويصرّون على مطالبهم دون التنازل عن ذرّة منها، إلا أن هذا التصوّر ليس أكثر من خطأ رائج.

في منتصف سنة 2001، هاجمت مجموعة من المسلّحين منتجع دوس بالماس السياحي في غرب الفلبين واحتجزت عشرين سائحاً أجنبيا مقيمين هناك، وبما أنّ بعضهم كانوا من حاملي الجنسية الأمريكية فقد تدخلت وكالة الإف بي آي مباشرةً في الموقف، وكان قائد فريق المفاوضات من طرفها هو كريستوفر فوس (مؤلّف الكتاب). وبعد سلسلة من التهديدات التي تلقّاها الإرهابيون ووصول المفاوضات إلى طريقٍ مسدود، أطلق الجيش الأمريكي عمليَّة لتحرير الرهائن بالقُوَّة انتهت بإثارة حُنْق الخاطفين ومقتل خمسة من الرهائن. وكان السبب في هذا الفشل الذّريع هو عدم فاعلية أساليب الإف بي آي القديمة.

وما تعلمته المباحث الفيدرالية بعد هذه التجربة السيئة هو عدم معاملة المفاوضة على أنها تحد بين طرفين. عندما تريد شيئاً من أحد، لا يجب عليك أن توجه إليه طلباً حاسماً لا يمكن الإجابة عليه سوى بـ”نعم” أو “لا”، فهذا ليس دليلاً على القوة، بل هو سبب لإثارة الكبرياء والتحدي بينك وبين خصمك، وسوف يؤدي به إلى فعل كل ما يستطيع لتجنب تنفيذ مطلبك. على سبيل المثال، لو تأخرت الشركة بتسديد راتبك لهذا الشهر لا يجدرُ بك أن تتوجه إلى مديرك في العمل وتسأله: “هل سأحصلُ على راتبي الآن؟”، فكلّ ما ستفعله وقتها هو تشجيعه على مجاراة التحدي ورفض طلبك.

والحل لهذه المشكلة هو أن توجّه سؤالاً ذا نهاية مفتوحة، أي سؤالاً يبدأ بكلمة مثل “كيف” و”ماذا”، فهذه أسئلة يمكن الإجابة عنها بعدد لانهائي من الطرق. وينصح مؤلف الكتاب بسؤال محدد وجد -من خبرته وتجربته الطويلة- أنه ذا فعالية غير عادية في إجبار الآخرين على التجاوب مع رغباتك، وهو: “كيف يفترض بي؟”، مثل أن تتوجه إلى مديرك بالقول: “كيف يفترضُ بي أن أصرفَ على عائلتي بدون راتب؟”. سيؤدي هذا التغيير البسيط إلى اختلاف جذري في ردّة فعل الطرف الآخر، إذ إنه لن يشعر بتحدي كبريائه، بل بأنّك تدعوه للتعاطف معك ومساعدتك، وهذا يحرّك رغبته الداخلية بالخير والعطاء ويجعله مشغولاً بالتفكير لحلّ لمشكلتك أنت (وهي حاجة عائلتك للنقود) بدلاً من مشكلته هو.

  1. أشعر الآخرين بوهم السيطرة

أشعر الآخرين بوهم السيطرة

يظنّ البعض أن الأسلوب الصحيح في المفاوضة هو بتصدر دفة الحوار من خلال الإكثار من الكلام والحجج القوية التي يغترّ صاحبها بقدرته على العرض والإقناع، رغم أن أهمية الإنصات للطرف الآخر وما يقوله لا تقل أبداً عن أهمية إخباره بمطالبك. وعلى عكس ما تعتقده، فإن الشخص الحقيقي الذي يتحكم بمجرى المفاوضة هو المستمع وليس المتحدث، وذلك لأنَّ من يتحدث يكشف -بالضرورة- عن المعلومات، بينما المستمع الذي يجيد التصرف هو من يستطيع توجيه الحوار لصالحه.

قد تظن أن الإنصات سهل جداً، ولكن المباحث الفيدرالية الأمريكية توظف فريقاً من أربعة إلى خمسة أشخاص للإنصات إلى أي إرهابي يتحدث على الهاتف. ويساعدك الإنصات في المفاوضات على تحقيق أمرين: أولاً، على كسب ثقة الخصم ونزع دفاعاته من خلال إعطائه الإحساس بأنك مهتم بما يقول، وثانياً، يتجنب المستمع الخوض في تحد مع خصمه، وبإمكانه -لذلك- إيهام الخصم بأنَّه يوجه دفة الحوار كما يحلو له، وأفضل طريقة لذلك هي الاستعانة بالأسئلة الموزونة جيداً.

بإمكان المستمع أن يطرح الأسئلة وينتظر الإجابات عنها كيف يشاء، لأن الحوار -ظاهرياً- لا يدور حوله، وهذه فرصة جوهرية للحصول على المعلومات التي تساعدك على فهم الشخص الآخر أكثر وفهم كيفية إعطائه ما يريد. اطرح أسئلة موزونةً بذكاء لتجبر خصمك على حل مشكلاتك. وجد المؤلف أن أفضل سؤال للبدء بأي مفاوضة القول: “ما هو أكبر تحد تواجهونه؟”، لإشعار الطرف الآخر بأنَّك مهتمّ بحلّ مشاكله. يمكنك أيضاً أن تسأل: “كيف يمكننا حل هذه المشكلة معاً؟”، و”ما الذي نسعى إلى تحقيقه هنا؟”.

ما تحقّقه جميع هذه الأسئلة هي أنها تشجع الشخص الآخر على بذل طاقته وجهده في مساعدتك. فضلاً عن ذلك، فهي تشعره بأنه الشخص المتحكم بمجرى الأحداث لأنه هو من يتكلَّم ومن يخبرك ماذا بإمكانه أن يفعل من أجلك. وهذا رد فعل معاكسٍ تماماً لما يحدث عندما تطرح أنت المطالب. فعندما يشعر الناس بقلة السيطرة والتأثير على الطرف الآخر، من المحتمل أن يلجؤوا إلى ما يسميه علماء النفس “سلوك الرهينة”، وهو رد فعل دفاعي عنيف بدرجة غير عقلانية، يسعى صاحبه لتجنب خسارة حقوقه بأي ثمن. وهذا السلوك لا يؤدي إلا لنتائج كارثية لجميع الأطراف.

  1. “لا” أفضل من “نعم”

يبتهج الناس بسهولة عندما يسمعون إجابة “نعم” ردًّا على مطالبهم ورغباتهم، بينما يخافون من كلمة “لا”، إلا أنَّ أحد أهم الدروس من هذا الكتاب هي أن تعوّد نفسك على أن هاتين الكلمتين تحملان -في المفاوضات- عكس معانيهما المتداولة بين الناس تماماً. إذ عليك أن تخاف من سماع “نعم”، وأن تبتهج بـ”لا”. والسبب في ذلك هو أن كلمة “نعم” عادة ما تشير إلى نهاية الحوار، بينما تعبّر كلمة “لا” عن بدايته.

عندما تلتقي بشخصٍ لا تريد أن تتحدث إليه، مثل جار مزعج أو مندوب مبيعات كثير الكلام، من المحتمل أن تختار الإجابة على كل ما يقوله بـ”نعم” حتى يمل من الكلام معك وينصرف. فقد تتحول هذه الكلمة، في الكثير من الأحيان، إلى مجاملة آلية عديمة القيمة تستخدمها للتهرب من شخص يحاصرك بالأسئلة والحجج. يستخدم الناس كلمة “نعم” للتظاهر بأنهم متّفقون مع الآخرين، ومن المستحيل عليك وقتها الاستمرار بالحديث إليهم. وأما الحوار الحقيقي فهو يبدأ بالرفض، لأن تلقي الرفض من شخص آخر يعني أنه غير مقتنع بما لديك، ولكنه يريد منك إقناعه. عندما تسمع كلمة “لا”، يمكنك أن تشعر بالأمان لأن في يدك المفتاح للسيطرة على مجرى الحوار.

والخطأ الذي يرتكبه المغترّون بقدرتهم على المحاججة والإقناع هو أنهم يهاجمون من أمامهم بسيلٍ من الحجج الكثيفة دون توانٍ، وعندما يرون أن ذلك الشخص يهز رأسه بالإيجاب ويقول “نعم”، يظنون أنهم قد نجحوا في إبهاره، بينما ما حدث فعلاً هو أنه توقف عن الإنصات إليهم ولجأ للإجابة السهلة للتخلص منهم.

تصور، من جهة أخرى، أنك دخلت إلى شركة لتعرض عليها منتجاً ترغب ببيعه، وكانت أول إجابة تلقيتها هي “لا، منتجك غير ضروري بالنسبة إلينا”. قد يعتقد المفاوض المبتدئ أن هذه اللحظة التي عليه فيها أن يأخذ حقيبته ويخرج، ولكن الواقع أنها اللحظة التي تبدأ المفاوضات منها. عندما يعطيك الطرف الآخر الرفض، فهذا يعني أنه يشعر بالسيطرة. فهو ليس ملتزماً بتقديم أي وعد لك الآن، وهذا -بالتحديد- هو السبب الذي يجعله مستعداً للإنصات بكل انتباهٍ إليك، فليس لديه شيء ليخسره. لهذا، إيَّاك وأن تخشى من سماع كلمة “لا”، بل انتظرها بشوقٍ واعتبرها نقطة البداية لمفاوضة ناجحة.

  1. استخدم حيل علم النفس

استخدم حيل علم النفس

ترتبط المفاوضات بدرجة وثيقة بعلم النفس، لأنها تتمحور حول إقناع خصمك بفكرة محددة أو مطلب تريده، وبالتالي فإن النجاح أو الفشل فيها قائم على مقدار فهمك لأسلوب تفكير الإنسان وما يدور في ذهنه. ثمة عدد كبير من الحيل النفسية التي قد تقلب الكفة في أي مساومة لصالحك، وهذه الحيل مناسبة -بصورة خاصة- للمفاوضات المتعلقة براتب وظيفة أو فرصة عمل تتقدم إليها:

  • اترك الطرف الآخر يبدأ دائماً: عند جلوسك مع شخص آخر لمناقشة صفقة ما أو راتب لوظيفة، عادةً ما يفتقر كلا الطرفين للمعلومات الكافية عمَّا يدور في ذهن الآخر من توقّعات وتصورات. وما يفعله البعض -لقلة حكمتهم- هو أن يبادروا بالمطالبة بسعر يظنونه مغرياً، رغم أنه قد لا يكون كذلك. في إحدى الحالات التي شهدها مؤلف الكتاب، تقدم طالب من طلابه إلى وظيفة لدى بنك معبراً عن رغبته براتب سنوي مقداره 110,000 دولار، على اعتبار أن في هذا المبلغ زيادة ضخمة عن مرتّبه السابق. ومن ثم اكتشف -بعد البدء بالعمل- أن جميع زملائه دخلوا الوظيفة نفسها بمرتب 125,000 دولار في العام. في الوقتِ نفسه، عليك أن تكون مستعداً نفسياً لأن خصمك ربما يحاول (إذا تركتَ افتتاح الحوار له) أن يقترح مبلغاً مبدئياً قليلاً جداً للنّزول بتوقعاتك، إذا كان ماهراً في المفاوضات، وهي حيلة خطرة جداً عليك أن تأخذها بعين الاعتبار.
  • إيَّاك والمطالبة برقم واضح: عليك أن تلجأ دوماً لتحديد فئة مرنة من الأسعار التي بإمكانك قبولها لقاء عملك. بدلاً من المطالبة بألف دولار شهرياً، يمكنك القول أنك تريد راتباً “يتراوح ما بين ألف إلى ألف وثلاثمائة دولار”. ولتطبيق هذا الأسلوب بكفاءة أكبر، عليك أن تتجنب المطالبة بالمبلغ مباشرة، بل الاستشهاد به من مصدرٍ آخر، مثل أن تقول: “إن مبرمجاً بنفس خبرتي عادةً ما يتقاضى 1,000 إلى 1,300 دولار لدى الشركات الجيدة”. وأهم ما عليك الانتباهُ إليه، قبل تحديد فئة الأسعار التي ترغب باقتراحها، هو أن الطرف الآخر في المفاوضات عادةً ما يوافق على السعر الأدنى ضمن الفئة التي تمنحها له. بالتالي، قد تتوقَّع -من هذا المثال- الحصول على عرضٍ بحوالي الألف دولار.
  • اقترح أرقاماً شاذة: ثمة لكلّ رقم وقع نفسي يتجاوز قيمته المادية، وأهم هذه الارتباطات النفسية هي أن كل رقم ينتهي بصفر يعطي إحساساً غير واعٍ بأنه تخمين عشوائي، وأما الأرقام الغريبة وغير المتوقعة توحي بأنها نتيجة حسابات احترافية مطوَّلة. على سبيل المثال، لو كنت تحاول عقد صفقة لبيع بضاعة لديك وطلبت مقابلها ألف دولار، قد تبدو لمن تتفاوض معه وكأنك ألقيت إليه بأول رقم تبادر إلى ذهنك. لو قلت، من جهة أخرى، أنك تريد بيع البضاعة مقابل 1,265 دولار، تظهر وقتها وكأنك تعرف تماماً قيمة كل دولار تطلبه. فأنت تقدِّمُ عرضاً مالياً فائق الدقة.
  1. تلاعب بتفكير خصمك

تخيل لو عُرِضَت عليك وظيفة لبيع القهوة لساعة واحدة مقابل 200 دولار أمريكي، ماذا يكون شعورك؟ قد تكون هذه أكثر وظيفة مربحة حصلت عليها في حياتك. ولكن ماذا لو عرفت أن صاحب المتجر يبيع كل فنجان قهوة بعشرة آلاف دولار ويجني الملايين كل يوم من عملك؟ بدلاً من الابتهاج بما تكسبه، سوف تشعر بأنك تتعرَّض لاستغلالٍ غير عادل. والحقيقة أن قيمة المال الذي تتلقَّاه عن عملك لم تتغير، وأما ما تغير فهو طريقة تفكيرك به. بإمكان مائتي دولار أن يكون مبلغاً ممتازاً أو تافهاً جداً بحسب طريقة عرضه، وهذه الحقيقة هي واحدةٌ من أهم الأساليب المستخدمة في المفاوضات.

بالعودة إلى حادثة الاختطاف في هايتي، كان الخاطفون يطالبون بمائة وخمسين ألف دولار للإبقاء على حياة عمة رجل سياسي معروف احتجزوها لديهم. وعند الاجتماع بفريق المفاوضات، قالت عائلة المخطوفة أن باستطاعتها تسديد ما يتراوح بين 50 إلى 85 ألف دولار من الفدية، إلا أن المباحث الفيدرالية كانت تطمح للنزول إلى مبلغ أقل من ذلك بكثير، وهو خمسة آلاف دولار فقط. و للوصول إلى هذا الرقم المتدني، كان عليهم التلاعب بتفكير الخاطفين.

عندما اتصل الخاطفون للمطالبة بالفدية، قال لهم المفاوض أن العائلة ليس بحوزتها المال الذي يريدونه. “كيف يفترض بي تسديد هذا المبلغ؟”، سأل المفاوض. هدد الخاطفون بقتل العمّة لو لم تتنفّذ مطالبهم، فقال لهم المفاوض: “أنا آسف، ولكن كيف يفترض بي أن أدفع لكم المال لو كنتم تنوون إيذائها؟”. وحتى الآن لم يقترح المفاوض أي سعر، بل كان يخوض لعبة نفسية للاستنزاف لا أكثر، وتجاوب الخاطفون معها بالتبرع -من جانبهم- بتخفيض مطلبهم إلى خمسين ألف دولار فقط.

“كيف يفترض بي أن آتي بمثل هذا المبلغ؟”، قال المفاوض مرة أخرى، ونزل الخاطفون بمطالبهم إلى خمسة وعشرين ألفاً. وهنا قرر المفاوض طرح السعر الذي ينزل بتوقعات الخاطفين ويتلاعب بهم، فقد قال أنه مستعد لدفع ثلاثة آلاف دولار. “عشرة آلاف دولار”، قال الخاطفون. ووقتها جاء فريق المفاوضة برقمٍ شاذّ يبدو -ظاهراً- وكأنه نتيجة حسبة مالية دقيقة جداً لقيمة حياة الرهينة: وهو 4,751 دولاراً. وبعد ست ساعات، سدّد هذا المبلغ إلى الخاطفين وعادت العمة بأمان إلى عائلتها.

عندما سمع أصدقاء المؤلف بالمبلغ الذي وافق الخاطفون عليه، انفجروا ضاحكين وهم يتساءلون عن قيمة الدولار الأخير الذي أضيف إلى الـ4,750 الأولى. ولم تكُن له أي قيمة حقيقية -بالطبع- ولكن وقعه في الذهن اللاواعي للخاطفين كان على الأرجح كبيراً وحاسماً. من خلال تطبيق الدروس المستفادة من هذا الكتاب، من تلاعب بتفكير الخصم واستغلال حيل علم النفس وغيرها، قد تستطيع قلب أي مفاوضة إلى جانبك. وهي مهارة سوف تساعدك على تحقيق رغباتك والنجاح في مساعيك ليس في عملك فقط، بل في حياتك بأكملها.

الكاتب: عباد ديرانية

تم النشر في: نصائح لأصحاب المشاريع، نصائح للمستقلين