ملخص كتاب معدي السبب في تفشي الأشياءبعد أن أمضى عقدًا من الزمان يدرس ما الذي يجعل قصصًا ومنتجات معينة تتفشى بين الناس؟ ولماذا يتحدث الناس عن محتوى على الإنترنت أكثر من غيره؟ جاوب أستاذ التسويق بجامعة وارتن “جونا بيرغر” في كتابه مُعدي: السبب وراء تفشي الأشياء عن هذه الأسئلة وعُدّ الكتاب أحد الكتب الأكثر مبيعًا في العالم وحصل على جائزة أفضل كتاب في التسويق لعام 2014.

تناول الكتاب أحدث الإجابات التي توصل إليها العلم عن كيفية عمل دعاية شفهية والاستفادة منها في إنجاح المنتجات والأفكار. مع زخمه بالأمثلة الواقعية والقصص الشيقة التي تفسر ببساطة شديدة أشياء متنوعة، بدءًا من كيف لأحد إعلانات الصحة أن يحظى بمشاركة عالية ويُثير نقاشًا واسعًا بالرغم من كونه مثيرًا للاشمئزاز. إضافة إلى السر وراء نجاح حملة إعلانات شركة منتجات الألبان المصرية “باندا”؟

يعزو كتاب مُعدي: السبب وراء تفشي الأشياء تفشي الظواهر والمنتجات والشائعات وبعض القصص وقطع المحتوى -بعد تحليل المئات منها- إلى ستة قواعد أساسية تكون موجودة بصورة أو بأخرى جميعها أو بعضا منها توضّح العوامل النفسية والاجتماعية الكامنة وراء تفشي الأشياء. في السطور التالية سنتناول الحديث عن كل قاعدة على حدة.

القاعدة الأولى: العملة الاجتماعية

العملة الاجتماعية يقصد بها المؤلف تلك العملة التي يستخدمها الناس لترك انطباع إيجابي لدى الآخرين. فالدعابات المرحة التي نقولها في تجمع تجعل الآخرين يروننا سريعي البديهة. وتفاصيل مبارة الأمس التي نتذكرها جيدًا تجعلنا نبدو ملمين بآخر الأحداث. والكاميرا التي اشتريناها بسعر خرافي في صفقة لا مثيل لها نراها إنجازًا يستحق أن نحكيه للأهل والأصدقاء.

يُفضّل الناس مشاركة الأشياء التي تجعلهم يبدون مسليين لا مملين، أذكياء لا حمقى، مرحين لا كئيبين. وعلماء الأعصاب توصلوا إلى أن متعة الحديث عن ما فعلناه في العطلة الأسبوعية تضاهي متعة تناول قضمة من كيكة غارقة في الشوكولاتة.

لذلك لكي نجعل منتجاتنا وأفكارنا تنتشر علينا أن نسك من منتجاتنا عملة اجتماعية، يُقبل الناس على مشاركتها مع الآخرين. وهناك ثلاث طرق لسك هذه العملة، وجعل الناس يظهرون بصورة جيدة أمام الآخرين بينما يروجون لمنتجاتنا وأفكارنا:

1. اعثر على ميزة مدهشة

“الكنغر لا يستطيع المشي إلى الخلف”، “الكرة الزجاجية ترتد إلى مستوى أعلى من الكرة المطاطية” تلك هي بعض الحقائق المدهشة التي توجد أسفل غطاء مشروب (Snapple)، ومشاركتها مع الرفقاء سيجعلنا نبدو أكثر حيوية ومرح ومن دون أن نشعر تنمو شهرة المشروب. فالميزة المدهشة هي تلك الميزة غير المألوفة، الاستثنائية، التي تستحق الملاحظة وتجذب الانتباه.

إحدى طرق إثارة الدهشة؛ الخروج عن النمط. فمثلًا عند السفر على متن رحلة جوية منخفضة التكلفة يتوقع المسافرون خدمة ضيافة بسيطة. غير أن شركة الخطوط الجوية (جيت بلو) جعلت الرحلة الأولى للعملاء مختلفة على نحو مميز؛ فالمقاعد مريحة وتوجد خيارات متنوعة للوجبات الخفيفة. إضافة إلى خدمة تلفاز مجانية. كل هذا شجع الراكب على إخبار الآخرين عن رحلته الفارهة ذات التكلفة الاقتصادية.

التغريدات والمقالات الأكثر تشويقًا يشاركها الناس بنسبة أعلى. تذكّر مقاطع فيديو الأطفال ذوي المواهب الخارقة التي يرسلها لك الأصدقاء والقصة المدهشة لنجاة أحد الحيوانات بعد أن صدمته سيارة. من الممكن العثور على الميزة المدهشة لأي منتج بالتفكير في الشيء الذي يجعله مختلفًا عن غيره.

استطاعت شركة (بليند تك) جعل الملايين يتحدثون عن خلاط قديم تقليدي دون دعاية وبميزانية تسويقية متواضعة، عبر سلسلة مقاطع توضح الميزة المدهشة للخلاط التي تجعله يطحن أي شيء بدءا من كرة الجولف وحتى هاتف الأيفون.

2. استفد من آليات اللعب

أنشأت شركة الخطوط الجوية (أميريكان أيرلاينز) برنامج مكافآت الأميال، الذي يعني أن يجمع المسافرون نقاط الأميال المتراكمة عندما يسافرون على متن رحلات الشركة. ومن خلال هذا البرنامج سيستردون قيمة الأميال على شكل رحلات مجانية وإقامة في الفنادق ومزايا أخرى. وبالرغم من أن نسبة إنفاق الأميال لم تتجاوز 10% فقط، إلا أن هناك أكثر من 180 مليون شخص شاركوا في البرنامج بسبب كونه لعبة ممتعة!

يبين كتاب مُعدي السبب وراء تفشي الأشياء أن آليات اللعب هي تلك العوامل والقواعد والنتائج التي تجعل اللعبة ممتعة وآسرة. فكّر في الألعاب الإلكترونية ذات آليات اللعب الجيدة التي تستقطب الملايين حول العالم وتجعلهم مندمجين ومتحفزين للعمل بجد أكبر للحصول على شارات أعلى أو الانتقال من مستوى لآخر أو تصدر قائمة Top Players .. إلخ.

لا يهتم الناس بمستوى أدائهم فحسب، بل يهتمون بأدائهم مقارنة بأداء الآخرين. يريدون أن يشعروا أنهم قادة، ذوو مكانة رفيعة، متفوقون، مما يجعل مظهرهم جيدًا أمام الآخرين ويوفر لهم عملة اجتماعية يتفاخرون بها. ولكنهم أثناء ذلك يسوقون للمنتجات والأفكار تسويقًا شفهيًا ويساهمون في جعل الأشياء تتفشى.

أوسمة المساهمات في المنتديات الاجتماعية. والبطاقات الائتمانية التي يملكها الأثرياء البلاتينية والماسية. ومشاركة إنجازات اللعب على فيسبوك. وحتى تشجيع مواقع وصفات الطعام روادها على نشر صور وجباتهم ودعوة برامج إنقاص الوزن المشاركين إلى نشر صورهم قبل وبعد فقدان الوزن. وتلك التي تشجع المتسابقين على حشد دعم أصدقائهم للتصويت لصالحهم في مسابقة، هي جميعًا أشكال للاستفادة من آليات اللعب في سك عملة اجتماعية للمنتج أو الفكرة يستخدمها الناس للتفاخر أمام الآخرين بينما يساهمون في انتشاره.

3. امنح الناس شعورًا بأنهم من الخاصة

من ضمن الأمثلة التي ذكرها كتاب مُعدي السبب وراء تفشي الأشياء تجربة متجر “رو لا لا” (Rue La La) الذي يبيع سلعًا راقيةً مشهورة، وأحيانًا يقدم إلى عملائه تخفيضات تُتاح لفترة محدودة، ويكون الدخول مسموحًا للمدعوين دون غيرهم. فلابد أن يدعوك أحد الأعضاء المنضمين إلى الموقع بالفعل لكي تتمكن من الاستفادة من التخفيضات، حققت هذه الطريقة نجاحًا كبيرًا لأنها منحت الناس شعورًا بأنهم من الخاصة.

تساهم الندرة والاستئثار في نشر المنتجات بجعلها تبدو مرغوبة أكثر. مثل النوادي الخاصة التي يفترض الناس أنها إذا كانت للأعضاء فقط فلابد أنها مميزة. وإذا استطاع أحدهم الحصول على الشيء النادر سيشعر بالتفرد والتميز ولن يزيد إعجابه بالمنتج أو الخدمة فحسب، بل سيخبر الآخرين عنها ليستفيدوا من العملة الاجتماعية المرتبطة بمعرفته له أو امتلاكه إياه “انظر إلى الذي استطعت الحصول عليه!”.

فعندما رغبت سلسلة مطاعم ماكدونالدز في زيادة الطلب على شطائر “ماك ريب” جعلتها نادرة، تقدم لوقت محدود فقط وفي فروع دون الآخرى. وهو ما أدى إلى ظهور مجموعات على فيسبوك تطلب من الشركة أن تعيد تقديم ماك ريب وبدأ الناس يتشاركون الأفرع التي تقدمها مع الآخرين ممن يحبونها.

غير أنه من الواجب الحذر من أن يبدو الاستئثار عجرفة أو إهمال. فالناس إذا سمعت كلمة “لا” أكثر من اللازم قد تذهب إلى مكان آخر، لذلك وضعت “رو لالا” نظامًا يتيح الدخول لغير الأعضاء عن طريق الاشتراك بعنوان البريد الإلكتروني. وفي مطاعم “بليز دونت تل” عندما يكون الحجز غير متاحًا بسبب نفاد عدد الموائد الخالية يتم إبلاغ الزبائن بذلك بطريقة لطيفة تخبرهم بمواعيد أخرى متاح فيها الحجز.

القاعدة الثانية: المحفزات

يتفق خبراء التسويق الشفهي على أن التشويق هو عنصر جوهري يقود الناس إلى الحديث عن المنتج. فالمنتجات والإعلانات المملة لا يتحدث عنها أحد، ولكن مع الأسف يشير كتاب مُعدي: السبب وراء تتفشى الأشياء إلى أن هذا الكلام غير صحيح.

فمثلًا، إذا عقدنا مقارنة بين مدينة ألعاب “عالم ديزني” التي يراها الناس مملكة السحر وتقول عن نفسها أنها المكان الذي تصبح الأحلام فيه حقيقة. وبين حبوب الإفطار “تشيريوس” الكلاسيكية المصنوعة من حبوب الشوفان الكاملة التي تساعد على خفض نسبة الكوليسترول. برأيك أيهما سيحصل على قدر أكبر من الدعاية بين الناس؟ بالتأكيد الإجابة هي عالم ديزني، فالحديث عن مغامراتك هناك سيكون أكثر تشويقًا من مناقشة ما تناولته على الإفطار صباحًا.

لكن المفاجأة هي أن العكس هو ما يحدث، إذ ينال تشيريوس قدرًا أكبر من التسويق الشفهي. صحيح أن عالم ديزني شيق ومثير وباستخدام القاعدة الأولى يمكننا القول بأنه يتمتع بـ “عملة اجتماعية” مرتفعة، إلا أن المشكلة هي أن الناس لا تفكر فيه كثيرًا. فالغالبية لا تذهب إلى عالم ديزني قبل أن ترزق بأطفال، وحتى من لديهم أطفال لا يزورونها كثيرًا سوى مرة في العام كحد أقصى، وبمجرد انقضاء الرحلة لا توجد محفزات كثيرة تذكرهم بها بعد تلاشي التأثير الشيق للتجربة.

بينما في حالة تشيريوس فإن هناك مئات الآلاف الذين يتناولونها على الإفطار يوميًا. ويرون علبتها البرتقالية زاهية اللون في كل مرة يذهبون فيها إلى السوبر ماركت. تجعل هذه المحفزات تشيريوس متوفرًا أكثر مما يزيد احتمالية تحدث الناس عنه. هنا يبين كتاب مُعدي: السبب وراء تفشي الأشياء أن  “العملة الاجتماعية” تجعل الناس يتحدثون (دعاية شفوية فورية)، بينما “المحفزات” تجعلهم يستمرون في التحدث (دعاية شفوية مستمرة)، والحاضر في الذهن يتحدث عنه اللسان!

هل المحفزات بالفعل أهم من العملة الاجتماعية؟

كما أشرنا أحيانًا يكون دافع الناس للحديث هو الظهور بمظهر جيد أمام الآخرين. ولكن هل هذا هو السبب الوحيد؟ بالطبع لا. أغلب الحوارات التي نجريها مع الأهل والأصدقاء يمكن وصفها بأنها حوارات بسيطة تهدف إلى كسر الصمت. فليس شرطًا أن نتحدث عن أكثر المنتجات والأفكار تشويقًا، ولكن نتحدث في الأغلب عن الأشياء الحاضرة في ذهننا تلك التي نستخدمها كثيرًا مثل: مرطب البشرة وحقائب التسوق ذاتية الغلق.

يرى مؤلف الكتاب أن كلًا من النوعين (العملة الاجتماعية والمحفزات) له قيمته. ولكن هناك نوع بعينه أكثر أهمية لمنتجات أو أفكار معينة. فالمنتجات الغذائية الجديدة مثلًا تتطلب دعاية شفهية فورية، وإلا توقف عرضها في رفوف المتاجر. بينما معظم المنتجات والأفكار تحتاج أيضًا إلى دعاية شفوية مستمرة تجعل الحديث عنها ممتدًا مثل: مرشحي الانتخابات وحملات مكافحة التنمر.

أمثلة على المحفزات

نصادف المحفزات بشكل متكرر في العديد من المنتجات دون أن نلحظ ذلك. على سبيل المثال، إعلانات شوكولاتة “كيت كات” التي تقرن تناولها مع استراحة القهوة هي تحفيز مقصود ليربط بين القهوة وبين تناول الشوكولاتة. واستخدمت الشركة المنتجة هذا المحفز (القهوة) من البيئة المحيطة بعد أن لاحظت أنه غالبًا ما يتناول المستهلكون الشوكولاتة أثناء فترات الاستراحة بجانب مشروب ساخن.

محفز آخر بينه كتاب السبب وراء تفشي الأشياء يتمثل في صينية الطعام. إذ اختبر الباحثون إعلانين يهدفان إلى تشجيع طلبة الجامعة على اتباع العادات الغذائية الصحية، الأول يحمل رسالة تقول “عش حياة صحية وتناول خمس حبات من الفاكهة والخضروات كل يوم”. والثاني: “كل صينية طعام تحتاج إلى خمس حبات من الفاكهة والخضروات كل يوم”.

كان الإعلان الثاني أقل جاذبية، ولكنه استخدم محفز “الصينية” المناسب لبيئة الطلاب المقيمين في حرم الجامعة، الذين يتناولون الطعام المقدم في صواني في صالات الطعام. النتيجة كانت استجابة أعلى للإعلان الثاني إذ تغيرت عاداتهم الغذائية للأفضل بشكل ملحوظ.

مثال على استخدام المنافسين محفزًا: حاكت إحدى حملات مكافحة التدخين أحد الإعلانات المشهورة لمارلبورو بسخرية عن طريق اقتباس صورة لاثنين من رعاة البقر، يقول أحدهما للآخر “بوب، لقد أصبت بانتفاخ الرئة”. أي أنها استخدمت رسالة المنافس محفزًا لتوصيل رسالتها، لكي يتذكر كل من يرى الإعلان الأصلي رسالة إعلان مكافحة التدخين.

ما الذي يجعل المحفز فعالًا؟

هناك محفزات أفضل وأكثر فعالية من أخرى. ومن بين العوامل التي تساعد على فعالية المحفز هي عدد مرات حدوثه. ففي مثال كيت كات تم الربط بينها وبين القهوة بدلًا من أي مشروب ساخن، لأن الناس يرون القهوة ويفكرون فيها أكثر من أي مشروب آخر.

على النقيض من ذلك اختيار الأعياد مثلًا كمحفز سيكون أقل فعالية، بسبب تكرارها مرة واحدة أو اثنتان فقط في العام كله. ومن العوامل الأخرى المؤثره في فعالية المحفز هو اختيار محفز أكثر أصالة. على سبيل المثال، اللون الأحمر يعد محفزًا سيئًا لأنه يرتبط بأشياء مختلفة مثل: الورود والحب والكوكاكولا والسيارات السريعة.

القاعدة الثالثة: العواطف

استخدام العواطف

في عام 2008 نشرت “دينيز جريدي” مقالًا في نيويورك تايمز بعنوان (السعال الغامض: تم تصويره). حظي المقال بانتشار فيروسي أثار الدهشة، إذ لم يكن يستوفي أي من القواعد السابقة للعملة الاجتماعية والتحفيز، وإنما كان سبب انتشاره هو العاطفة.

كثيرًا ما تسجل المقالات العلمية اكتشافات وابتكارات تُثير لدى القارئ شعورًا بالرهبة، مزيج من الذهول والتواضع والسمو حيال قدرة عظيمة. ويتولد الشعور بالرهبة حيال أشياء أخرى مثل: الأمور الدينية، المناظر الطبيعية الخلابة، قصص بعض البشر في التحدي والاكتشاف. وقد تَبيّن أن المقالات التي تلهم شعورًا بالرهبة تحظى بنسبة مشاركة أعلى في قوائم البريد الإلكتروني بنسبة 30% أكثر من غيرها.

ركز على المشاعر أكثر من المعلومات

تميل الرسائل التسويقية إلى التركيز على المعلومات، إلا أنه في أحيان كثيرة تحتاج الرسالة إلى التركيز على المشاعر أيضًا. تدفع المشاعر الناس لإبداء فعل، تجعلنا نضحك ونصيح ونتحدث ونشارك ونشتري. فالناس لا يريدون أن يشعروا بأنهم عرفوا معلومة ما، بل يريدون أن تتحرك مشاعرهم ويريدون التسلية. وبإمكان أي منتج أو فكرة أن تفعل ذلك حتى لو لم تملك أي روابط عاطفية واضحة.

فمثلًا، ما الذي قد يربط بين محرك بحث يعتمد على خوارزميات وتقنيات شديدة التعقيد وبين العاطفة؟ الإجابة يخبرنا بها فيديو بسيط أنتجته جوجل يحكي قصة شاب يرغب في الدراسة بالخارج، يبدأ بالبحث عن الدارسة في باريس ثم طريقة معاملة المرأة الباريسية وتتوالي أحداث الفيديو فينتقل إلى البحث عن وظيفة في باريس ثم أماكن الزفاف في باريس وانتهاءا بكيفية تركيب سرير أطفال، لينتهي برسالة بسيطة “استمر في البحث”.

رأى فريق عمل الفيلم أن أفضل النتائج لا تظهر في محرك البحث بل تظهر في حياة الناس، فالناس يبحثون عن إجابات من أجل التواصل مع الآخرين وبلوغ الأهداف وتحقيق الأحلام، وهذا هو موضع العاطفة. فإذا كنت تريد أن تحشد الناس لمكافحة الاحتباس الحراري لا تُعرِّفهم فقط على ضخامة المشكلة مستعينًا بالإحصائيات، ولكن تحدث عن الدببة القطبية التي يهدد حياتها وتأثيرات الظاهرة على صحة أطفالهم.

ما هي المشاعر التي تشجع على المشاركة؟

أظهرت الاستنتاجات التي أشار لها كتاب السبب وراء تفشي الأشياء أن المقالات الإيجابية أكثر عرضة للمشاركة بنسبة أعلى من تلك السلبية. فقصة الوافدين الذين وقعوا في حب مدينة نيويورك تمت مشاركتها عدد مرات أكثر من الوصف التفصيلي لقصة وفاة حارس حديقة حيوان مشهورة. ولكن هناك ما هو أكثر تعقيدًا من إيجابية أو سلبية المقال!

صنّف علماء النفس المشاعر تصنيفًا آخر وهو درجة يقظتها الفسيولوجية وهي حالة من النشاط والاستعداد للقيام برد فعل، مثل: الغضب والقلق والحماس والرهبة والضحك إذ تصحبهم درجة تيقظ عالية على خلاف الحزن والسكينة.

فعندما يشارك أحد العملاء الغاضبين تجربته السيئة مع شركة ما، سيشجع الآخرين على حكي تجاربهم السيئة كرد فعل على الشعور بالغضب. وقد يؤدي الشعور بالخوف والرهبة إلى تفشي مقطع فيديو مثل: سلسلة فيديوهات The Hire التي أنتجتها شركة بي إم دبليو. تلك السلسة الحافلة بالمطاردات وعمليات الخطف والاقتراب من الموت، التي حققت أكثر من 11 مليون مشاهدة خلال أربعة أشهر.

بمقدور المشاعر السلبية إذا ما استخدمت بشكل صحيح أن تثير نقاشات واسعة، مثل: إعلان الصحة الذي يحذر من المشروبات الغازية. إذ يظهر الإعلان رجلًا يمسك علبة مشروب غازي ممتلئة بالدهون، مما أدى الشعور بالاشمئزاز إلى تشجيع الناس على مشاركته والحديث عنه وأثار جدلًا واسعًا.

القاعدة الرابعة: العلنية

هل الأفضل أن يظهر شعار أبل على الحاسب المحمول معتدلًا أمام المستخدم أم المحيطين به؟ انطلاقًا من فكرة أن الناس أكثر عرضة لتقليد غيرهم إذا رأوا ما يفعلونه؛ قرر ستيف جوبز أن يظهر الشعار مقلوبًا للمستخدم ومعتدلًا للآخرين. والفكرة الجوهرية هنا هي أنه إذا كان من الصعب عليك أن ترى ما يفعله الآخرون فسيكون من الصعب عليك تقليدهم، وما صمم لكي يظهر صُمم لكي يكبر!

ترتبط سيكولوجية التقليد بفكرة الدليل الاجتماعي، تلك الفكرة التي تجعل الندلاء يملئون وعاء البقشيش في بداية اليوم، لكي يفترض العملاء أن الآخرين تركوا بقشيشًا فيفعلون بالمثل. وهي الفكرة ذاتها التي تجعل الناس يعتقدون أن المطعم الذي تقف أمامه طوابير طويلة يقدم طعامًا رائعًا. يملك الدليل الاجتماعي تأثيرًا قويًا على السلوك، ولكي نستخدمه لمساعدة المنتجات والأفكار على التفشي ينبغي فهم متى يكون تأثيره أقوى؟

متى تكون العلنية أكثر قوة؟

يكون الدليل الاجتماعي أقوى تأثيرًا عندما يكون المنتج أو الفكرة قابلة للملاحظة. على سبيل المثال، قد يعجبك أحد القمصان الجديدة التي يرتديها شخص ما فتقرر شراء القميص نفسه، ولكن من الصعب أن تلاحظ الجورب الذي يرتديه لأن الجوارب مستترة والقمصان علنية. الأمر نفسه ينطبق على السيارة في مقابل معجون الأسنان. تأخذ قابلية الملاحظة أنماطا مختلفة على سبيل المثال:

  • عندما قررت أبل إطلاق جهاز آي بود، اختارت اللون الأبيض للسماعات لكي تجعلها أسهل في الملاحظة وليكون من السهل رؤية كم عدد الأشخاص الذين أصبحوا يستخدمون الآي بود بدلا من أجهزة الوكمن التقليدية ذات السماعات السوداء.
  • على خلاف الانطباع السائد بين طلبة جامعة أريزونا بأن زملائهم يقبلون على شرب الكحوليات. استخدمت الجامعة قابلية الملاحظة لكي تعلن نتائج استبيان أجرته على الطلبة أظهر أن غالبيتهم يعارضون الكحوليات و69% منهم تناولوها أقل من خمس مرات، مما صحح الاستدلالات الخاطئة لدى الطلاب عن أقرانهم وأدى إلى انخفاض نسبة تناول الكحوليات بنسبة 30%.
  • البقايا السلوكية إحدى طرق جعل المنتجات قابلة للملاحظة. وتعني الآثار المادية السلوكية التي تجعل المنتجات قابلة للملاحظة مثل: هدايا العلامات التجارية التي تأتي في شكل أكواب وأقلام وقمصان.

تحذير: ينصحك كتاب “مُعدي: السبب وراء تفشي الأشياء” إذا أردت التحذير الناس من مغبة فعل سلوك ما، لا تستخدم سلاح “قابلية الملاحظة” وتخبرهم بأن الكثيرين يفعلونه. فمثلًا عند تصميم إعلان لتحذير الأطفال من المخدرات، لا ينبغي إبلاغ الصغار في ثنايا الرسالة أن الكثير من الأطفال يقعون في هذا الخطأ، لأن اهتمامهم بالمخدرات سيزداد وسيكونون أكثر رغبة في تعاطيها.

القاعدة الخامسة: القيمة العملية

على خلاف الفيديوهات الفيروسية الموجهة للشباب حظي فيديو يعرض الطريقة التي يقشر بها جدٌ -تجاوز الثمانين- كوزا من الذرة بسهولة ودون إحداث أي فوضى، بانتشار واسع وعدد مشاهدات تجاوز 5 ملايين مشاهدة عند نشره للمرة الأولى. مما جعل من الصعب تفسير هذه الظاهرة باستخدام القواعد السابقة التي تناولها الكتاب.

بدأ تداول الفيديو في أوساط العائلة والأصدقاء بوصفه حيلة قيّمة تستحق المشاركة مع الآخرين. لا يقدر الناس المعلومات العملية فحسب، بل يشاركونها لمساعدة الأصدقاء وتوفير أوقاتهم وأموالهم، وتُعَد المشاركة دليلًا على الاهتمام والمحبة وتقوّي من الصلات الاجتماعية.

وأكثر ما يمنح الأشياء قيمة فعلية تشجع على مشاركتها هو توفير المال. إذ تأتي الصفقات في مقدمة القيم العملية التي يفضلها الناس، سواء تم ذلك على هيئة الحصول على شيء بأقل من سعره، أو الحصول على كمية أكبر من الكمية المعتاد الحصول عليها مقابل السعر نفسه.

سيكولوجية الصفقات

يستند قرار المستهلك في الصفقات إلى ما يسمى “السعر المرجعي” وهو السعر الذي يتوقع دفعه مقابل هذا الشيء. فمثلًا، إذا أردت شراء شواية ووجدت أنها تباع ب 250 دولارًا بعد أن كان ثمنها الأصلي 350 دولارًا، فلن تتردد في شرائها (السعر المرجعى هنا هو 350 دولارا) ، بينما إذا وجدتها في متجر آخر تباع ب 240 دولار بدلًا من 250 دولارًا فستكون أكثر ترددًا في اتخاذ قرارك بالشراء لأن التخفيض بسيط مقارنة بالسعر المرجعي 250 دولارًا.

مثال آخر، الانجذاب إلى توفير 10 دولارات بشراء راديو سعره 25 دولارًا بعد الخصم يكون أقوي من توفير المبلغ نفسه بشراء تلفاز سعره 1010 دولار. فالناس يفكرون في الخصومات وفقًا لما يسمى بـ “حساسية التخفيض”.

أسرار نجاح الخصومات

ينبه كتاب مُعدي: السبب وراء تفشي الأشياء إلى أن الناس لا يشاركون الخصومات بكل أنواعها، وإلا سيمل منهم الأصدقاء سريعًا. في المقابل فإنهم يشاركون الخصومات ذات القيمة المدهشة، مثل:

  • العروض التي تتاح لفترة محدودة تكون أكثر جاذبية.
  • تقييد الحصول على التخفيض يجعله يبدو عرضًا أفضل، مثل: واحد لكل أسرة، أو ثلاثة فقط لكل عميل.
  • الشكل الأكثر فعالية في خصومات  المنتجات منخفضة السعر (أقل من 100 دولار) هو عرض التخفيض كنسبة مئوية لكي يبدو أكثر قيمة. فمثلًا تخفيض 3 دولارات فقط على منتج سعره 30 دولارًا سيجعل نسبة الخصم تمثل 10% من سعر المنتج.
  • الشكل الأكثر فعالية لخصومات المنتجات مرتفعة السعر هو عرض الخصم في صورة مبلغ من المال. مثال: خصم 200 دولار على كمبيوتر محمول.

قيَم عملية أخرى غير المال

بخلاف المال، هناك أشياء أخرى ذات قيمة عملية تحقق انتشارًا بين الناس. إذ يستعرض الكتاب نتائج تحليل المقالات الأكثر مشاركة في قائمة البريد الإلكتروني لصحيفة نيويورك تايمز، تبيّن منها أن المقالات التي تناولت موضوعات خاصة بالتعليم والصحة احتلت نسبة لا بأس بها في القائمة. كذلك الوصفات ومراجعات المطاعم الصاعدة، والسبب وراء تفشي هذه النوعية من المقالات يكمن في كونها تقدم معلومات مفيدة.

فمثلًا، مقالات الصحة تقدم حلولًا تساعد المصابين بفقدان السمع، ونصائح لتقوية الصحة العقلية لمن هم في منتصف العمر. والمقالات التعليمية تعرض برامج تعليمية مفيدة للمراهقين، وتقدم معلومات قيمة حول شروط قبول الالتحاق بالكليات. ومن ثم تساعد مشاركة هذا النوع من المحتوى مع الآخرين على الأكل والحياة والتعلم بطريقة أفضل.

لوحظ أيضًا أن الرسائل البريدية التي تحظى بمشاركات عديدة لها هيكل منظم يجعل من السهل الاطّلاع على الأفكار الرئيسية للمقالة دون تزاحم أو تشتيت: قوائم قصيرة تدور حول موضوع رئيسي واحد مع تضمينها روابط لمن يرغب في قراءة المزيد، مثال: “خمس طرق لفقدان الوزن”.

القاعدة السادسة والأخيرة: القصص

كيف أصحبت القصة السبب في تفشي الأشياء

لنفترض أن “هوميروس وفيرجيل” مؤلفا ملحمة حصان طروادة أرادوا أن يعلّموا الناس درسًا عن “عدم الثقة في الأعداء حتى وإن بدوا لطفاء” ببساطة ووضوح، بدلًا من كتابة قصيدة ملحمية مكونة من مئات الأبيات الشعرية. هل سيكون للدرس التأثير نفسه؟ غالبا لا.

ضَمِن الشاعران عبر تغليف درسهم بغلاف قصصي أن قصتهم ستنتشر وسيصدقها الناس بدرجة أكبر مما لو كانت العبرة منها خرجت بطريقة مباشرة. إذ يفكر الناس في الحكاية أكثر مما يفكرون في المعلومة، وبينما يتجه اهتمامهم نحو الأحداث تتخلل المعلومات في السياق. ولكن إذا كانت القصة مسلية وجذابة كوسيلة للتلقين، لماذا يحكي الناس قصصًا لبعضهم البعض؟

لماذا يحكي الناس القصص لبعضهم البعض؟

يحكي الناس القصص لبعضهم البعض للأسباب نفسها التي تشجعهم على تناقل الدعاية الشفوية؛ العملة الاجتماعية أو العاطفة أو القيمة العملية. على سبيل المثال، تقدم مطاعم “سابواي” سبعة أنواع من الشطائر بها أقل من ستة جرامات من الدهون. لا يُتوقع أن يخبر شخصًا ما صديقه بهذه المعلومة دون سياق مناسب كأن يكون محور الحديث الدائر بينهما عن خسارة الوزن.

لكن على النقيض من ذلك، تأتي قصة جاريد مع فقدان وزنه: “شاب يفقد 245 رطلًا بتناول الوجبات السريعة”: بسبب عاداته الغذائية السيئة وعدم ممارسة الرياضة زاد وزن “جاريد فوجل” Jared Fogle من 323 رطلا إلى 425 رطلًا، للدرجة التي كان اختياره للمواد التي يدرسها في الكلية يكون بناءا على ما إذا كانت قاعة الدرس بها مقاعد كبيرة بما يكفي ليستريح في جلوسه أم لا.

وبعد تحذير زميله في السكن من مخاطر زيادة الوزن على صحته، قرر جاريد اتباع حمية غذائية من “سابواي”. حيث يتناول شطائر قليلة الدهون في وجبتي الغداء والعشاء، وبعد ثلاثة أشهر فقد 100 رطلًا. لم يكتف بذلك وإنما استمر في حميته إلى أن انخفض مقاس بنطاله من 60 بوصة إلى 34 بوصة، والفضل يعود إلى سابواي.

عندما يشارك الناس قصة “جاريد” بعنوانها الجذاب فهم يتحدثون عن قصة مدهشة (قاعدة 1 العملة الاجتماعية)، ومثيرة للدهشة والإعجاب (قاعدة 2 العاطفة)، وتقدم معلومات مفيدة عن خيارات طعام سريع وصحي (قاعدة 4 القيمة العملية). ولا يشارك الناس قصة “جاريد” من أجل الترويج لسابواي غير أن ذلك لا ينفي أن سابواي يستفيد لأنه جزء من الحكاية.

ابنِ حصان طراودة: كيف تستخدم القصص في التسويق؟

تعطي القصص للناس سببًا وجيهًا  للحديث عن المنتجات والأفكار. لأنها تقدم نوعًا من الغطاء النفسي الذي يسمح لهم بالثرثرة حول منتج أو فكرة دون أن يبدو كأنه إعلان، ولكي نستخدم القصص في تشجيع الناس للحديث عنا ينبغي أن نبني حصان طروادة الخاص بنا. تلك الرواية التي سيشاركها الناس بينما سيتحدثون عن منتجنا أو فكرتنا طول الطريق.

تفقد القصة نحو 70% من تفاصيلها في أول 5-6 عمليات مشاركة. يحدث ذلك بشكل ممنهج بعيدٍ عن العشوائية، إذ تتساقط التفاصيل غير ذات الصلة وتبقى التفاصيل المهمة والنقاط الرئيسية فقط. وبالتالي مفتاح النجاح في نسج القصة لا يقتصر في حَبْك قصة قابلة للانتشار الفيروسي، وإنما في التأكد من أن التفاصيل التي تريد أن يتذكرها الناس ويتناقلونها مهمة ومرتبطة بالحبكة ووثيقة الصلة بك، بحيث لا يتمكن الناس من حكاية القصة دونها.

فهناك فارق كبير بين أن يتحدث الناس عن المحتوى وأن يتحدث الناس عن الشركة أو الشخص الذي ابتكر المحتوى. كيف نفعل ذلك؟ شركة منتجات الألبان “باندا” قدمت مثالًا ناجحًا..

لماذا نجحت الحملة الإعلانية لباندا؟

يشير كتاب السبب وراء تفشي الأشياء إلى واحد من الأمثلة المفضلة لدى المؤلف، الذي يأتي من الشركة المصرية “باندا” لمنتجات الألبان. إذ يبدأ الإعلان بمشهد لأب يتجول مع ابنه في السوبر ماركت وبينما يقترح الابن شراء جبنة باندا يرد الأب بالرفض بحجة أنهم اشتروا ما يكفي بالفعل.

فتظهر الباندا -أو بالأحرى رجل يرتدي ملابس الباندا- فجأة في السوبر ماركت، وبينما تمر لحظات ترقب ثقيلة، يحملقون أثنائها في الباندا بصدمة، يمشي الباندا بهدوء يضع كلتا يديه على جانبي عربة التسوق ويقلبها بهدوء. في الجزء الثاني من الإعلان عندما يتكرر اقتراح الابن يوافق الأب بمزيج من الغضب والخوف.

لا يملك كل من شاهد الإعلان سواء من الشباب أو الكبار إلا الانفجار في الضحك. والنجاح الحقيقي للحملة الإعلانية هو أن العلامة التجارية “باندا” كانت جزءا لا يتجزأ من القصة فالاثنتن متشابكتن بامتياز.

خاتمة

يقول المؤلف “جونا بيرغر” أن أفضل ما في القواعد الستة التي أشار لها كتاب مُعدي: السبب وراء تفشي الأشياء هو أن بإمكان الجميع استخدامها. فهي لا تتطلب ميزانية ضخمة للإعلان أو فنيات معقدة تحتاج إلى عبقرية في التسويق أو نوعًا من جينات الإبداع. ومعظم الأمثلة التي وردت في الكتاب لمنتجات وأفكار أصبحت مُعدية ابتدعها أشخاص عاديون لم يكونوا مشهورين من قبل ولكنهم اعتمدوا على واحدة أو أكثر من القواعد الستة التي تناولها الكتاب.

تم النشر في: مراجعات كتب منذ أسبوع واحد