رأس المال المخاطر

رأس المال المخاطر هو وجه من أوجه الاستثمار الحديث، يشتهر بالعديد من الأسماء كالمخاطر والمغامر والجريء. بالنسبة لرجال الأعمال فهو مقامرة لا يعرف أحد نتائجها. وبالنسبة لرواد الأعمال فهو فرصة ذهبية لترى مشاريعهم النور.

هذا المقال يقترب من توضيح مفهوم رأس المال المخاطر بشكل أكثر دقة وتحديدًا، وما إذا كان خيارًا مناسبًا لك – كرائد أعمال – أم لا.

ما هو رأس المال المخاطر؟

ما هو رأس المال المخاطر؟

تقوم فكرة رأس المال المخاطر على قيام أحد الشركات الكبرى بتمويل الأفكار التي يعجز أصحابها عن تنفيذها مثل المشاريع الريادية، والتطبيقات التكنولوجية الحديثة، والأفكار العلمية والاختراعات. فأفكار مثل هذه قد تواجه مشكلة كبيرة في التمويل نظرًا لغياب الضمانات الخاصة بنجاحها، وكبر الالتزامات المالية المتعلقة بها. وهذا ما يجعلنا نذهب إلى “الممول”.

الممول – شخص كان أو شركة– قرر طواعيةً أن يتبنى إحدى المشاريع الناشئة ويقوم بتمويلها. قد يتضمن هذا التمويل مبالغ مالية فقط (دعم مادي فقط)، أو  يضاف إليه إرشادات وتوجيهات ومساعدات مناسبة لضمان نجاح المشروع (دعم مادي ومعنوي).

فالممول هنا يقوم بخوض مقامرة خطرة تتشابه فيها نسبتي النجاح والخسارة، بدون الحصول على ضمانات أو تعويضات مالية محتملة (إذا فشل المشروع). فهو لا يعامل معاملة الدائن بل معاملة الشريك، وفى حالة ما تكلل المشروع بالنجاح يمكنه حينها المواصلة في تمويل المشروع، أو الانسحاب بالطرق القانونية المشروعة إذا أراد.

آلية عمل رأس المال المخاطر ومراحله

يتخذ أصحاب المال قراراتهم الاستثمارية بناء على دراسات تحليلية مسبقة، حيث يدرس كل من العوائد المتوقعة من المشروع، ونسبة المخاطرة المحتملة، وعلى هذه الأسس يتخذ قراره بالمشاركة في تمويل المشروع أو لا. حيث يتم التعامل مع أمواله بمثابة مساهمات مالية مقدرة يمكنه فيها الحصول على سندات مالية أو صكوك وكذلك نسبة من الأرباح.

فقرار الممول بالمشاركة في رعاية المشاريع الناشئة لا يتوقف فقط على أهمية الفكرة، واقتناعه بها، بل يدخل في ذلك العديد من المتغيرات مثل:

  • المناخ الاقتصادي المحيط، ونسبة استعداد السوق لهذا النوع من الأفكار أم لا.
  • مدى الخبرات التي يتمتع بها أصحاب المشروع، وقدرتهم الذاتية على إدارته والعمل على نموه.
  • حجم الضرائب التي تخصصها الدولة على رأس المال المخاطر، فكلما قلت النسبة المفروضة، كلما تشجع رجال الأعمال على تمويل العديد من المشروعات الناشئة.
  •  معدل النمو في سوق المال، فكلما آل اتجاه السوق للهبوط، كلما عزف رجال الأعمال عن هذا النوع من الاستثمارات، وكلما آل المؤشر إلى الصعود كلما زاد حجم المعروض من رأس المال المخاطر.
  • معدل الأرباح المتوقعة من المشروع، وهل تتناسب مع ما سيتم إنفاقه أم لا؟
  • وجود آليات قانونية مناسبة للخروج من المشروع تمكنه فيها من استرداد رأس المال الذي قام بدفعه، مع الحصول على العائد المتوقع من الأرباح.

وبعد اتخاذ الممول القرار النهائي بالمشاركة في التمويل، نأتي هنا إلى توقيت الاستثمار الفعلي في المشروع، حيث تختلف آليات استثمار رأس المال المخاطر طبقًا لنوع المشروع المقدم، ومراحل إنشائه كالآتي:

  • مرحلة التمويل المبكرة

وفيها يقوم الممول برعاية المشاريع والأفكار منذ لحظة بدايتها، وقبل حتى أن تتحول إلى منتج فعلى مقدم إلى السوق، حيث يعرض صاحب الفكرة الموضوع مرفقًا بدراسة مسبقة لآلية عمله، ورؤيته المستقبلية الخاصة به. بعد الاقتناع يقوم الممول باحتضان فكرته الناشئة، وتهيئتها للظهور بأفضل شكل ممكن.

ينتشر استخدام رأس المال المخاطر كأداة للتمويل في المراحل المبكرة الخاصة بالأفكار التكنولوجية، والاختراعات، والمشاريع الريادية الناشئة.

  • مرحلة التمويل اللاحقة

وفيها يقوم الممول بتمويل المشاريع القائمة بالفعل، والتي استطاعت أن تقوم ببناء بعض الخطوات الناجحة في بداية مراحلها، حيث يساعدها على الاستمرار في نشاطها التجاري  وتوفير التمويل اللازم لتوسعها ودخولها للعديد من الأسواق الجديدة، أو تسريع نموها.

  • مرحلة تمويل الحالات الخاصة

وهى مرحلة تلجأ فيها الشركات الكبرى بمساعدة الممول في التمويل لشراء حصص ملكية في شركات أخري، إما بهدف التوسع أو رغبةً في السيطرة على قطاع معين من السوق.

تتضمن هذه المرحلة أيضًا لجوء بعض المستثمرين إلى تمويل الشركات ذات الأداء الضعيف التي تمتلك فرصة للنهوض من جديد والتحسن.

مراحل خروج رأس المال المخاطر من المشاريع الناشئة

مراحل خروج رأس المال المخاطر من المشاريع الناشئة

تقوم استراتيجية استخدام رأس المال المخاطر على الاتفاق المتبادل بين الطرفين، حيث يتفق كلا من صاحب المشروع والممول على فترة زمنية محددة، يشارك فيها المستثمر في إدارة الشركة والاستفادة من الأرباح (وقد يكتفي بالتمويل فقط بدون إدارة)، بينما يستفيد صاحب المشروع من التمويل المالي المنشود، والمساعدة اللوجستية، والعملية التسويقية، وأي صور أخرى للدعم، ريثما تبلغ هذه المنفعة مرادها يتفق الطرفين على خروج رأس المال المخاطر من الشركة بواحدة من الطرق الآتية:

  • طرح الأسهم للاكتتاب العام

وهنا يتم طرح أسهم المستثمر للاكتتاب في بورصة الأوراق المالية، حيث يحصل المستثمر على رأس المال المخاطر الذي قام بتمويله وعائده في هيئة أوراق مالية مقيدة بالبورصة.

طرح الأسهم للاكتتاب بطريقة عامة ليست الطريقة الوحيدة، حيث يمكن أن يلجأ أصحاب المشروع إلى الاكتتاب الخاص مع عدد محدد من المستثمرين الموثوق بهم.

  • التنازل عن المشروع لمستثمر آخر

من الشائع استخدام هذه الطريقة في أوروبا، حيث يقوم عدد من المستثمرين أو الأفراد بتكوين شركة قابضة، تقوم بالاستحواذ على المشروع والسيطرة عليه، من خلال دفع قيمة رأس المال المخاطر للمستثمر الرئيسي، وتوليهم إدارة الشركة.

  • بيع وثائق الاستثمار الصادرة

يتم اللجوء إلى هذه الطريقة في مصر وإيطاليا وفرنسا، حيث يتم التعامل مع رأس المال المخاطر من خلال صناديق الاستثمار، والتي تقوم آلية عملها على بيع وثائق الاستثمار الصادرة منها إلى صناديق قابضة أخرى تتولى إدارتها.

  • الاندماج

يلجأ أحيانًا كلا من صاحب المشروع والمستثمر إلى الاندماج في كيان واحد عوضًا عن الخروج النهائي من الشركة، حيث يحصل الممول على أسهم في الشركة اعتمادا على رأس المال المستثمر وعائد الأرباح الممنوح، وحينها يتم معاملته كشريك دائم في الشركة وليس كمستثمر مؤقت كالسابق.

الخلاصة:

يمثل رأس المال المخاطر لعبة مقامرة مربحة للجميع، مع احتمالية الخسارة للمستثمر. فهي من جهة تساعد رواد الأعمال على تنفيذ أفكارهم على أرض الواقع، وبدء مشاريعهم، ومن جهة أخرى توفر لرجال الأعمال مصدرًا إضافيًا للتدفقات النقدية أو الملكية. هناك العديد من الأفكار الناشئة استطاعت أن تحقق ثروات لأصحابها وتدر الربح على الشركات الراعية لها كذلك، مثل واتسآب WhatsApp، بوابة مكتوب، ومؤخرًا موقع موضوع.

ولا تكمن المنفعة في ذلك فقط، بل على المستوى المحلى والدولي تقدم بعض المجتمعات اهتماما كبيرًا لرأس المال المخاطر، فدول مثل كندا وانجلترا توفر من ميزانيتها نسبة كبيرة للاستثمار في هذا النوع من المشاريع، تقديرًا منهم لأهميته ودوره في دفع عجلة التنمية للأمام.

الكاتب: عمرو النووي