لا تجد جملة تامة يتحدث بها المسوقون إلا ويكون الجمهور المستهدف إحدى مكوناتها. فالجميع يتحدث عنه ويتحدث إليه ويخطب ودّه، لكن هل حقًا يعرف المسوقون هذا الجمهور الذي يتحدثون عنه؛ من هو؟ ما تحدياته ومخاوفه، ما دوافعه إلى الشراء، ما صفاته؟ كيف يمكن الوصول إليه، وفي أي شيء وعلى أي قناة تسويقية يقضي وقته. لحسن الحظ، يمكنك أن تعرف أكثر من هذا عن جمهورك المستهدف عبر ما يسمى شخصية العميل الـ buyer persona. فما هي وكيف تستخدمها في التسويق لمنتجك؟

تعريف شخصية العميل

شخصية العميل هي نموذج متخيل لأحد عملائك يعبر عن خصائص شريحة من جمهورك المستهدف ويبين أنماط سلوكهم ودوافعهم إلى الشراء، ويبنى هذا التمثيل على البيانات والمعلومات التي يمكنك الحصول عليها من عملائك الحاليين أو الذين تريد استهدافهم في المستقبل.

تساعد شخصية العميل المسوقين في نسج رسائل تسويقية تخاطب جمهورهم الحالي (والمحتمل) دون غيره، عبر الفهم الدقيق لاحتياجات الجمهور المستهدف والتعرف على دوافعهم إلى الشراء. ولا تتوقف فائدتها على التسويق فقط، إنما تشمل كل جوانب تطوير الأعمال بما يساعد الشركات على تطوير منتجاتهم/خدماتهم، لتلبي احتياجات العملاء المستهدفين وتمنحهم أفضل تجربة استخدام يمكن أن يحصلوا عليها.

أهمية شخصية العميل في تعزيز الجهود التسويقية

قد يتهاون بعض رواد الأعمال في إجراء بحوث شخصية العميل ظنًا منهم أنهم يعرفون -بالفعل- جمهورهم المستهدف، وليسوا في حاجة إلى إجراء مزيدٍ من البحوث. وقد يجادل بعضهم بأن جمهورهم واسع لا يمكن حصره. في الواقع فإن سر تميز الشركات الناجحة يكمن في تحديد جمهور بعينه واستهدافه دون غيره. فالمنطق البسيط يقول، إنك إذا قررت استهداف الجميع فأنت بذلك لا تستهدف -على الحقيقة- أحدًا.

وإذا  تجاهلت الصفات الفريدة لجمهورك الحالي، فإنك تغامر بتعريض شركتك لعواقب شبيهة بما حدث مع “رون جونسون” من شركة (JCPenney) الذي قرر تغيير نظام المبيعات القائم على القسائم والتخفيضات إلى نظام (everyday low prices) وهي استراتيجية تعتمد على تحديد أسعار منخفضة للمنتجات مبدئيًا والمحافظة عليها. كان ذلك بعد شهر واحد فقط من توليه منصبه الجديد رئيسًا تنفيذًا للشركة لتنهار المبيعات بعد ذلك في غضون أشهر قليلة.

وقد صرح رون أن السبب في هذا الفشل كان عدم فهمه لاحتياجات عملائه جيدًا. وليس أدل على ذلك من القصة الشهيرة لـ GAP عندما قررت إعادة رسم هويتها التجارية لتجتذب جمهور الشباب، متجاهلة رغبات جمهورها الفعلي. الأمر الذي أحدث جلبة واسعة، واضطروا بفعل السخط الشديد من عملائهم الحاليين للعودة إلى الشعار القديم في أقل من أسبوع، راضيين بخسارة الأموال التي أنفقوها في إنشاء الهوية الجديدة.

الفوائد التسويقية لتبني شخصية العميل في استراتيجيات التسويق أثبتت ولا تزال تثبت فعالية واسعة، فقد نشرت   NetProspex دراسة تفيد بأن نتائج شخصية العميل أدت إلى زيادة مدة زيارة الموقع بنسبة وصلت إلى 900%، وارتفع عائد الاستثمار التسويقي بمقدار 171%.  وفي سياق ذي صلة، يعتقد 72% من المسؤولين التنفيذيين أن الميزانيات المخصصة لفهم العملاء منخفضة للغاية، وأعترف 45% منهم بمحدودية الشركات وقلة فهمها لكيفية التفاعل مع العملاء رقميًا. على الرغم من قتامة الأرقام السابقة فلا يخفى على أى ذكي الفوائد التي يمكن أن يجنيها، إذا بادر بفهم عملائه في ظل حالة عدم الاكتراث تلك.

خطوات إنشاء شخصية العميل

قد يكون جهورك المستهدف محددًا في شريحة مميزة من المستهلكين، فإذا كنت تبيع أحذية رياضية فإن جمهورك المستهدف في هذه الحالة؛ الممارسين للرياضة دون غيرهم. أما إن كنت تبيع إلى جمهور أكثر تنوعًا فيفيدك في هذه الحالة تقسيم الجمهور إلى شرائح رئيسية، هذه الشرائح تمثل كيانات متشابهة، مثلًا: شريحة المستهدفين في السعودية وشريحة المستهدفين في مصر.

وفي داخل كل شريحة يمكن أن تقسم الجمهور إلى مجموعات من الناس يجمعهم نمط أو تجربة واحدة، مثلًا: المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو وفقًا للسن فيمكن أن تقسم جمهورك إلى جيل الألفية وما قبل جيل الألفية ثم تنشئ بعد ذلك “شخصية عميل” لكل منهم. يفيدك التعرف على هذه الطبقات في اكتشاف المخرجات الدقيقة لمرحلة البحوث التالية. ومن ثم تكوين شخصية عميل مدعمة بالبيانات ومتكيفة مع طبيعة كل شركة. وتُعد شخصية العميل في هذه الحالة؛ الوحدة الأخيرة التي تعبر عن مركب يتكون من سمات محددة تمثل أعضاء جمهورك المستهدف في الواقع الفعلي.

طرق جمع البيانات

التحليلات الكمية

تتنوع الطرق التي يمكن اعتمادها عند إنشاء شخصية العميل وتأتي على رأس هذه الطرق التحليلات الكمية. فبسبب الطبيعة الرقمية التي تصبغ عالم الأعمال اليوم، يمكن للمسوقين بسهولة التعرف على مؤشرات وأفكار عن عملائهم الحاليين من خلال تحليل سلوك زوار مواقعهم الإلكترونية.

وتمتاز المعلومات في هذه المرحلة بكونها معلومات ترسم الإطار الخاص بعملائك فإذا عرفت مثلًا أن متابعيك الإناث أكثر على توتير من متابعيك الذكور فهذا قد يشير إلى ضرورة إجراء مقابلات أوسع مع الإناث. وكذلك الحال، لو عرفت أن متابعيك من دولة معينة أكثر من غيرهم. هذا النوع بين البيانات الديموغرافية يمكنك الحصول عليها من خلال تحليل بيانات جمهورك على مواقع التواصل الاجتماعي كأداة followerwonk لتحليل متابعي توتير.

من أشكال البيانات الأخرى في مرحلة التحليلات الكمية، هي تلك البيانات التي يمكنك الحصول عليها داخليًا من فريق المبيعات وقواعد البيانات الخاصة بالعملاء وتصنيفاتهم وحجم عمليات الشراء والمرتجعات، وغير ذلك. يمكن كذلك الاستفادة من فريق الدعم الفني مثلًا وأي شخص يتعامل مع العملاء بشكل أو بآخر.

من الأدوات التي يمكن استخدامها لإجراء البحوث الكمية: أداة تحليلات جوجل لتتعرف على سلوك الزوار، ومن الأدوات التي تمدك ببيانات جغرافية نسبة إلى الكلمات التي يبحث عنها الزوار أداة Google Trends. إضافة إلى أدوات Alexa وquantcast وGoogle Display Planner. يمكنك كذلك إجراء عدد من المسوح التي قد تساعدك على تقسيم السوق إلى شرائح رئيسية من المستهدفين، ومن الأدوات التي تستخدم لإجراء تلك المسوح أداة مثل: surveymonkey وcomscor

على الرغم من أن البيانات هنا مرتبطة بالخلفيات الجغرافية والديموغرافية لجمهورك المستهدف، إلا إنه يمكنك التوصل كذلك إلى بيانات أكثر عمقًا عن عملائك من خلال تحليل موضوعات المحتوى الذي يستجذبهم وحجم البحث غير المدفوع الـ organic research والأوقات التي يزرون فيها مواقعك الإلكترونية، كل ذلك يمكن أن يمدك بسمات أكثر عمقًا لشخصية عميلك.

التحليلات الكيفية

في هذه المرحلة من جمع البيانات يكون التركيز على سؤال المستهدفين من عملائك عن “لماذا” و”كيف” اللتين تقفان وراء مشكلة معينة لمعرفة رحلة العميل في التفاعل معها. في هذه المرحلة تكمن مهمتك الأساسية في محاولة استكشاف الأنماط الغالبة بين مجموعات المستخدمين المختلفة، ومن ثم تنظيم تلك البيانات واختبار صحتها من خلال التحليلات والبحوث الكمية.

تندرج الكثير من الطرق الموصلة إلى هذه النوعية من البيانات ومن بينها: مجموعات التركيز Focus groups والتي يديرها أحد الباحثين مع مجموعة من المبحوثين، وينوه هنا إلى أن مخرجات تلك الطريقة قد تكون منحازة بشكل أو بآخر لرأي أو تصور من يدير اللقاء ويسأل الأسئلة. إحدى الطرق التي تستخدم أيضًا ما يسمى؛ الخرائط التقريبية affinity diagramming وهي عبارة عن تمرين ذهني يهدف إلى تجميع الأفكار ذات الصلة حول العملاء ومحاولة تصفيتها واختبارها في أكثر من مرحلة، وعادة تستمر عملية العصف الذهني تلك لمدة ساعات.

المقابلات الشخصية

لا شيء يضاهي التحدث إلى جمهورك المستهدف، فما ستعرفه عنهم منهم سيؤدي إلى فهمهم بشكل أعمق مما سترشدك إليه البيانات والإحصائيات مهما كان حجمها. (مايكل اجارد)

لا تزال الطريقة التقليدية أكثر الوسائل فعالية لإجراء بحوث شخصية المشتري، وهذه الطريقة هي المقابلة المباشر مع العملاء. فبدلًا من قراءة الكف ومحاولة توقع المشكلات التي يواجهها عملائك، يمكنك سؤالهم عنها بكل بساطة. وينبغي الانتباه إلى صياغة أسئلة المقابلة بحيث لا يُوحي السؤال بإجابة معينة أو يدفع العميل إلى اتجاه يثبت وجهة نظر السائل، بل على العكس من ذلك، إذ ينبغي أن تدفع الأسئلة المبحوث إلى التعبير عن آرائه الحقيقة والتي يشعر بها فعلًا. يمكن أن نقسم المخرجات التي تريد الخلوص إليها في ثلاثة مجموعات رئيسية، كما يلي:

  • المجموعة الأولي: هي البيانات الديموغرافية والخلفية العلمية والاجتماعية، مثل: السن والجنس والدور الوظيفي والمدينة التي يسكنها والحالة الاجتماعية وغير ذلك من الأسئلة التعريفية.
  • المجموعة الثانية: من المخرجات هي التي تجيب على الأسئلة التي تبدأ بـ لماذا؟ للتعرف على الدوافع والأسباب وراء سلوك معين، إلى جانب معرفة العادات الشرائية والاستهلاكية اليومية وكيفية تفاعله مع القنوات التسويقية المختلفة.
  • المجموعة الثالثة: من المخرجات هي الإجابات التي تساهم بشكل أو بآخر في التعرف على قصة العميل و تحدياته وقيمه وأهدافه الشخصية في ضوء رحلة اتخاذ قرار الشراء، مع معرفة أهدافه من شراء منتجك ومثيله بالضرورة.

رسم شخصية العميل

عادة ما يستخدم المسوقون صورة أفتار لشخصية العميل مع تسميته كأنه شخص حقيقي، وعرض المعلومات الخاصة به من خلال إنفوجرافيك يسهل من عرض البيانات ويمكن مشاركته مع باقي الأقسام، يساهم هذا الأمر في الاستشهاد والإشارة إلى هذه الشريحة بسهولة في عمليات اتخاذ القرار في الشركة. ستجد على الإنترنت العديد من النماذج التي تمكنك من عرض النتائج التي خلصت إليها. لنأخذ مثالًا على الصورة النهائية لشخصية العميل لموقع يبيع منصة لإدارة عمليات التسويق.

 

قصة العميل: سعود رائد أعمال شاب محب للتكنولوجيا وكل ما له علاقة بريادة الأعمال، متابع جيدًا لكل جديد في عالم التكنولوجيا، قارئ نهم لمجلة MIT technology review. مستخدم لمنتجات آبل، ويحب الاستماع إلى البودكاست.

التحديات: يحاول سعود النهوض بمشروعه الناشئ لكنه لا يمتلك معرفة واسعة بمجال التسويق، في العادة هو منشغل بالمهام اليومية لتطوير عمله ولا يمتلك الكثير من الوقت. لذلك فهو يسعى إلى الحصول على المعلومات التي يريدها بسرعة ومن مكان واحد ويقاوم التشتت في أثناء البحث عن المعلومات التي يريدها. يؤمن بأهمية التسويق ويفضل قراءة الأدلة الموسعة التي تعطيه نظرة تفصيلية عما يحتاجه في عمله. لا يمتلك ميزانية كبيرة للتسويق.

الأهداف: يبحث سعود عن أداة تمكنه من إدارة عمليات التسويق من مكان واحد وبتكلفة محدودة.

مخاطر الإعداد الخاطئ لشخصية العميل

الفوائد التي تحققها الشركات جراء إنشاء شخصية العميل لا منتهية. فقد يستفيد منها فريق التسويق بالمحتوى في إنشاء رسائل تسويقية أكثر إقناعًا تزيد معها معدلات التحويل، ويستفيد منها فريق التسويق في العموم في التعرف على رحلة الشراء ومراحلها وتحدياتها وفي إنشاء محتوى مواقع التواصل الاجتماعي وعند إطلاق الحملات الإعلانية.

وسيستفيد منها فريق المطورين في تحسين المنتج أو الخدمة التي يقدمونها لتتماشى مع رغبات العميل، ويستفيد منها فريق الدعم الفني وخدمة العملاء من خلال تفهم رغبات العميل وتلبيتها بكفاءة. لكن على الرغم من كل ذلك فإن هناك بعض النقاط التي ينبغي أخذها بالحسبان، لكي تحقق الاستفادة الكاملة:

استخدام شخصية العميل عند اتخاذ القرار

تخيل معي أنك أنجزت عددًا وفيرًا من المقابلات الشخصية مع العملاء، وأجريت البحوث الكمية على تنوعها، لكن كغيرها من البحوث، لم تضع ما توصلت إليه في سياق الفعل. فلم تستفد منه في تطوير استراتيجيتك في التسويق بالمحتوى أو في تطوير منتجاتك وخدماتك لتتوافق مع دوافع عملائك ورغباتهم، قد يبدو هذا الكلام غير منطقي لكنه يقع على كل حال.

من الضروري هنا على فريق التسويق -تحديدًا- أن يشرح ما توصل إليه من نتائج إلى كل الفرق المنوط بها اتخاذ قرارات حاسمة تخص العملاء.

تحديث شخصية العميل باستمرار

كما جميع البشر، تتغير الدوافع والرغبات باستمرار وهذا الأمر ينطبق بطبيعة الحال على جمهورك المستهدف. فلا ينبغي أبدًا الثقة العمياء في نتائج شخصية العميل التي توصلت إليها، خاصةً إذا لم تحدّثها باستمرار وتجاهلت ما عداها من مؤشرات ومن آراء العملاء الفعلية! ولتحقيق استفادة أكبر في عملية اتخاذ القرارات سواءً التسويقية أو غيرها فإن التكيف مع متغيرات عالم الأعمال يقتضي تحديث تلك البيانات باستمرار لتحتضن شريحة جديدة أو لاختبار دوافع مستجدة.

الاعتماد على مقدار كاف من البيانات

التنوع بين طرق جمع البيانات التي سبق لنا ذكرها في هذا المقال سيمكنك من تحييد تحيزاتك التي قد لا تكون ظاهرة لك، فعلى الرغم من أن تجاهل شخصة العميل في المطلق ضرره لا يخفى على أحد، فإنه في المقابل سيتحقق الضرر نفسه إذا كانت النتائج التي توصلت إليها مضللة ولا تعبر جمهورك الفعلي أو المستهدف بشكل حقيقي.

ختامًا، يمكن أن تدير شركةً دون الاهتمام بمعرفة العملاء بشكل دقيق، لكن لا يمكن أن تحقق التفرد في السوق الذي تستهدفه، إذا كان جمهورك المستهدف غير واضح وغير معروف لديك بدقة، وهذا في أحسن السيناريوهات. فربما بقرار واحد تتخذه تطيح بشركتك وجهودها لأنك لم تفهم ما يطلبه جمهورك وهذا في أسوء السيناريوهات. شخصية العميل في أبسط فوائدها، تعطيك الثقة اللازمة عند اتخاذ قرارات محورية تخص منتجك والجمهور، فلا تدع لك مجالًا للمغامرة بأموالك. شاركنا رأيك في التعليقات حول أكثر الطرق فعالية في التعرف على شخصية العميل؟

تم النشر في: التسويق الرقمي منذ شهر واحد