بعد استعراض  خطوات إنشاء متجر إلكتروني في مقالات سابقة، نختم هذه السلسلة في عالم المتاجر الإلكترونية، بالحديث عن طريق النجاح في هذا المجال، والمحفوف بالكثير من التحديات:

تقريبًا هناك الآلاف من الأفكار لإطلاق متاجر إلكترونية تدور في أذهان الكثير من الناس، ولكن فعليًا يتم تنفيذ نحو 500 – 600 متجر على أرض الواقع. أما ما ينجح حقيقة ويستمر، ففي أكثر الأحوال تفاؤلاً يكون أقل من 50 متجر.

على سبيل المثال، سوق دوت كوم –التي استحوذت عليها أمازون حديثًا– تؤكد إحصائياتها عدد زيارات شهرية غير مكررة يُقدر بنحو 30 مليون زيارة. هذه الأرقام تعطيك تفاصيل ما بين السطور. التفاصيل غير المعلنة عن حجم السوق العربية في التجارة الإلكترونية، والذي يزداد يومًا بعد يوم بعجلة تسارعية.

إنشاء متجر إلكتروني – على الرغم من الخطوات الشاقة التي تحدثنا عنها سابقًا – يعتبر أسهل خطوة على الإطلاق في طريق النجاح. ولكن أن يكون لديك متجر إلكتروني ناجح يتحول إلى علامة تجارية، تصنع فارقًا في السوق العربية، فهذا شيء آخر.

إذا تصفحت خريطة التجارة الإلكترونية العربية ستجد أسماء بارزة. فحينما يأتي ذكر الشراء عبر الإنترنت تظهر أسماء مثل: سوق دوت كوم، جوميا، نمشي وأخيرًا نفسك. وهناك عملاق آخر دخل السوق بكل قوة بتمويل ملياري، وسيبرق نجمه سريعًا، وأقصد منصة نون بالطبع.

الأسماء السابقة لم تظهر بين يوم وليلة. فعلى الرغم من الجهد الضخم للغاية من الإعداد والتجهيز، إلا أن نجاح هذه المتاجر مرتبط بكلمة أخرى هي موضوع مقالنا اليوم: الاستمرارية.

هذا المقال هو الأخير في هذه السلسلة، ولكنه يعتبر – بحق – الأهم على الإطلاق. فهو الذي سيحدد مدى قدرتك على الالتزام بهذه الكلمة – الاستمرارية – من عدمه. العشرات يبدأون، ولكن من الذي ينجح ويستمر؟

الاستمرارية مقابل الربح في نجاح المتجر الإلكتروني

نعم، بالتأكيد أنشأت هذا المتجر طلبًا للربح. فبالإضافة إلى تقديم قيمة مرتفعة لعملائك وللسوق الذي تستهدف، أنت في حاجة إلى تدفق مادي يساعدك على الاستمرار، وعلى الإحساس بأنك قد أنجزت بالفعل مشروع ناجح. ولكن .. أيهما أفضل ربح قليل مُعجل أم كبير مُؤجل؟

أمازون يعتبر خير مثال على ذلك، فقد تم تأسيس الشركة عام 1994 ورغم ذلك لم تبدأ في تحقيق أرباح فعلية إلا مع مطلع الألفية الجديدة. هذا على الرغم من التمويلات الضخمة التي حصلت عليها. الأمر إذًا لا يرتبط بالربح المادي إذا أردت لمشروعك البقاء والاستمرارية. الاستمرارية هي ما تصنع لمشروعك علامة تجارية لا تُنسى. تلك العلامة ستساوي ملايين – وربما مليارات – الدولارات يومًا ما.

إذًا لديك خيار من اثنين: الاستمتاع بالربح الوفير، وتوزيع حصص الأرباح على المستثمرين المتعطشين للمال، أو إعادة استثمار الأرباح وتعظيم حجم المشروع طمعًا في أرباح أضخم مؤجلة. اختر لنفسك ولمشروعك.

كيف يمكن بناء علامة تجارية لا تُنسى في عالم التجارة الإلكترونية؟

إجابة هذا السؤال تحتاج إلى كتاب – أو قل عدة كتب – للحديث عن الكثير من الخطوات التي تقوم بها في سبيل بناء علامة تجارية ناجحة لا تُنسى في عالم التجارة الإلكترونية. ولكن لنركز على العناصر الأساسية التي تصنع هذا النجاح.

1. الاهتمام بالأرقام Analytics

لغة الأرقام هي أصدق لغة. من يمكنه قراءة لغة الأرقام سيتمكن من معرفة أين يضع قدمه بالضبط وسط الزحام. التحليلات لا تقتصر على تحليلات الموقع من خلال تحليلات جوجل Google Analytics ولكن أقصد التحليلات البشرية التي بين السطور.

يجب أن تنظر إلى أي صفحات الموقع زيارة، ما هي أكثر التصنيفات مشاهدة، ما هي أكثر المنتجات شراءًا، ما هي أكثر المنتجات ركودًا، ما هو أكثر ما يسأل عنه العملاء، ما يشتكي منه العملاء، أكثر العقبات التي واجهتهم، أكثر الإحباطات التي شعروا بها حيال التعامل مع متجرك، أكثر الأمور التي أعجبتهم، وغيرها من عشرات الأسئلة الأخرى، التي قد تجد فارقًا ضخمًا من التقدم في الإجابة على إحداها ومعالجته.

التحليلات يجب أن يكون لها شخص مختص – إن لم يكن أنت – يقوم بإخراج كل هذه الأرقام، ويطرحها على مائدة الاجتماعات للمناقشة، واستخلاص النتائج منها للوصول إلى الإجراء الأنسب للعميل وللمشروع.

2. رضا الموظفين مقابل رضا العملاء

لعلك سمعت عن ذلك الملياردير الصيني ” لى جينيوان” الذي قام بأخذ 6,400 موظف من شركته معه في رحلة ترفيهية إلى باريس لمدة 4 أيام. كذلك ربما سمعت المقولة القائلة “اهتم بموظفيك وهم سيهتمون عنك بالعملاء” .. حسنًا .. هذه مقولة حقيقية بنسبة 100%.

للأسف المنهجية العامة للتعامل مع الموظفين في العالم العربي قائمة على “تجويع الموظف”. ليس تجويعه ماديًا فحسب، ولكن تجويعه نفسيًا، وإداريًا، وعلميًا. لا أدري من هو أول من وضع قاعدة “الزبون دائمًا على حق Customer is Always Right” ولكن هل هي قاعدة صحيحة على الدوام؟

هل معنى أن العميل دائمًا على حق، أن تضع الموظف ما بين المطرقة (العميل) والسندان (المدير) فيظل يتلقى الصدمات من الجانبين بدون الحق في التعبير عن نفسه، لأجل الراتب فقط؟ هل هذه هي المنهجية التي تبني بها شركة لتنجح؟ حسنًا .. ليس هذا ما يبني الشركات الناجحة.

اعتمد أنظمة جديدة للحوافز والمكافآت بناءًا على الإنتاجية والفعالية، وفعّل نظام البدلات بشكل واضح، حتى لا يقضي الموظف ساعة إضافية في العمل بدون مقابل. قم بإشراكه في القرارات الإدارية، افتح قناة للتواصل مع المستويات الإدارية المختلفة، خُذ أراء الموظفين كما تأخذ أراء العملاء، قم بإشعار كل موظف أن هذه شركته، وأن نجاحها من نجاحه، وأن فشلها من فشله. اعطه المسئولية كاملة، وده حرية التصرف له.

أعلم أن هذه خطوة متقدمة بالنسبة لك في البداية – كـ Startup– ولكن إن لم تكن هذه هي عقليتك من البداية، فلا تتوقع النجاح والاستمرار في بيئة عمل صحية.

3. ما بعد الإشباع

في احتفالات الكريسماس عام 2013 قامت شركة طيران WestJet بإعداد مفاجأة أقل ما يُقال عنها أنها مبهجة لعملائها. قاموا بوضع جهاز مؤتمر فيديو Video Conference مصغر في المطار (محطة الإقلاع) وظهر فيه سانتا كلوز (بابا نويل) يتحدث معهم مباشرة live ويسألهم عن أمانيهم في عيد الميلاد هذا العام.

تفاوتت الأمنيات ما بين كوفية للتدفئة، وتلفاز كبير الحجم، وكاميرا، وجهاز لوحي، وغيرها. على الرغم من أن ركاب الطائرة لم يكن لديهم أي علم بالمفاجأة، وظنوا أن الأمر لا يعدو مزحة طريفة بالحديث مع بابا نويل، إلا أن المفاجأة الحقيقية كانت بانتظارهم في محطة الوصول. فبينما كانوا ينتظرون الحقائب على السير الحقائب المتحرك، إذ تأتيهم بدلاً من الحقائب هدايا مغلفة بشكل جيد، بأسمائهم، تحمل كل هدية اسم صاحبها و أمنيته التي تمناها هذا العام، وطلبها من بابا نويل .. ولا داعي للحديث عن تأثير المفاجأة المبهرة عليهم.

حقيقة لا أدري مقصد WestJet قبل البدء في هذه المفاجأة، ولكن الشيء المتفق عليه هو أنها لم تكن بحاجة إلى فعل ذلك. عملائها يشعرون بالفعل بقدر كاف من الرضا والإشباع، ولم يكونوا بحاجة إلى فعل هذه المفاجأة المكلفة للغاية.

حسنًا .. هذا هو المقصد: لا تتوقف عن إبهار عملائك. إذا كان العميل يتوقع منك مستوى معين من الخدمة، قم بتقديم مستوى يفوق توقعاته.

حدثني صديقي عن تجربته في الشراء من أمازون، وكيف أن طلبيته تأخرت بسبب سوء خدمات البريد في بلده، فما كان من أمازون إلا أن قامت بإرسال طلب جديد للعميل بالبريد السريع من خلال DHL بدون أن يتحمل العميل سنت زائد، وطلبوا منه الحرص على إبلاغهم فور وصول متعلقاته بسلام. هل يمكنك أن تصل إلى هذا المستوى؟

السؤال الأهم: ما الذي يعود عليّ من الفائدة – كمدير للمتجر الإلكتروني – إذا قمت بمثل هذه الأفعال؟

مما لا شك فيه أن هذه الأفعال تكلف الكثير من المال، ولكن العائد من خلفها غير متوقع دائمًا. فكما حدثني صديقي عن تجربته مع أمازون، سيحدث غيري، وينتشر الحدث بشكل فيروسي بدون أن تكون أمازون في حاجة إلى إنفاق سنت واحد على الدعاية لجودة خدماتها. هذا ما أنت في حاجة إليه سواء في البداية أو في مرحلة متقدمة من مشروعك: أن يتحدث الناس عنك بإيجابية Word Of Mouth، وهذا لن يأتي إلا بتحقيق مستوى متقدم من الإشباع.

كما أخبرتك في البداية، كان من الممكن أن يكون هذا المقال أطول من هذا بكثير. ولكن 3 نقاط قوية مشروحة بتفصيل كاف، وتقوم أنت بالتركيز عليهم وتطبيقهم، هو حتمًا أفضل من قائمة طويلة مختصرة بحاجة إلى المزيد من التوضيح وقصص النجاح.

لا يسعك الآن إلا أن تبدأ. قم بتطبيق ما ورد في هذه السلسلة، وادع أصدقائك الذين في طريقهم لإنشاء متجر إلكتروني إلى قراءتها. كذلك إذا كان لديك أي استفسار بشأن أي مقال ورد في هذه السلسلة سأكون سعيد بالإجابة عليه.