عام 2013 أثارت تصريحات ماريسا ماير المدير التنفيذي لشركة ياهو جدلا واسعا بسبب حظرها للعمل عن بعد، وطلبت من موظفي ياهو الذين يعملون من المنزل أن يعودوا لمكاتب الشركة أو يغادروها للأبد، قالت ماير حينها في مؤتمر لمهنيي الموارد البشرية في لوس آنجلوس: “يكون الناس أكثر إنتاجية عندما يعملون لوحدهم، لكنهم يكونون أكثر تعاونا وابتكارا عندما يعملون معا، بعض أفضل الأفكار تأتي عندما ندمج فكرتين مختلفتين معا.”.

ماير ليست الوحيدة التي تحمل مخاوف تجاه توظيف القوى العاملة عن بعد، فمازال هذا الاتجاه يشكل ثقافة غير مقبولة وغريبة لدى كثيرين، بالرغم من أن عديدا من الشركات العالمية العملاقة، توظف فرق عمل موزعة عن بعد، مثل: Dell، IBM، xerox، Amazon… وغيرها، وبعض الشركات الناشئة سريعة النمو توظف تلك الفرق بنسبة 100%، فما الذي يجعل البعض يتخوف من فكرة توظيف أشخاص عن بعد ومن بينهم “ماير” التي أعادت الموظفين عن بعد من المنزل إلى المكاتب فور تنصيبها في كمدير تنفيذي لشركة ياهو؟

هناك بعض الأساطير التي تدور حول التوظيف عن بعد، لا أساس لها من الصحة، إليك 4 من أهمها:

  1. إنتاجية فرق العمل عن بُعد ضعيفة

يبدو أن “ماير” تعترف بإنتاجية فرق العمل عن بعد، ولكن كثيرين غيرها مازالوا يعتقدون أن إنتاجية الموظفين الذين يعملون من المنزل منخفضة مقارنة بزملائهم الذين يعملون من المكتب، بدعوى أن مصادر التشتيت في المنزل أكثر منها في المكتب ولكن الدراسات والتجارب أثبتت عكس ذلك، أصحاب الشركات التي توظّف أشخاصا عن بعد، وحتى الأشخاص الذين يعملون من المنزل يؤكدون ارتفاع الإنتاجية أثناء العمل من المنزل، كشف دراسة أن 86% من الموظفين الذين شملهم الاستطلاع يفضلون العمل لوحدهم لتحقيق أقصى قدر من الإنتاجية، وفي تجربة أخرى أجرتها شركة Ctrip الصينية للسفر، منحت نصف الموظفين فرصة العمل سبعة أشهر من المنزل، بينما عمل النصف الآخر من المكاتب فتبيّن أن الفريق الذي عمل عن بعد كان أكثر إنتاجية وأجاب على مزيد من الاتصالات مقارنة بالفريق الذي عمل من الشركة، وفي دراسة استقصائية أجريت في الولايات المتحدة فإن 91% من الأشخاص الذين يعملون من البيت يشعرون أنهم أكثر إنتاجية من العمل في المكتب.

  1. يصعب التواصل مع الموظفين عن بعد

مع التطور المستمر للتكنولوجيا لم يعد هناك مكان للقلق حيال صعوبة التواصل مع الموظفين عن بعد، العالم الآن أصبح كله متواصلا، سواء كانوا موظفين عن بعد أو أشخاصا عاديين، توجد المزيد من التطبيقات للمحادثة الكتابية والصوتية والمرئية، مثل slack، skype،  hangouts،whatsapp.. وغيرها كثير، إضافة إلى أدوات تحسين سرعة الإنترنت، إرسال واستقبال البيانات والاتصالات بأمان، وكذلك الأدوات التي تسمح للموظفين للوصول إلى الوثائق المشتركة ومحركات الأقراص عبر الإنترنت.

ولذلك فإن عمل الأشخاص من المنزل لا يعني أنه سيكون صعبا على المدراء أو الزملاء التواصل معهم، أجرت TINYpulse مسحا أكد فيه 51% الموظفون الذين يعملون عن بعد بأنهم على اتصال مع مدرائهم مرة واحدة على الأقل يوميا، كما أن الموظفين عن بعد يشعرون بأنهم أكثر تواصلا مع مدرائهم وزملائهم، ففي دراسة منفصلة أكد 87% من الموظفين عن بعد أنهم يشعرون بأنهم أكثر ارتباطا وانسجاما مع باقي الفريق من خلال استخدام محادثات الفيديو.

اقرأ أيضا: إدارة اجتماع ناجح لفريق عمل موزع عن بعد

  1. يصعب بناء فريق عمل عن بعد

توظيف فرق العمل عن بعد أصبح ظاهرة منتشرة، والكثير من الشركات العالمية تتجه نحوه، لأنّ الإنترنت فتحت فرصا لا حصر لها للشركات للعثور على أفضل الكفاءات من كافة أنحاء العالم، وسمحت للموظفين الذي يرغبون في العمل من المنزل بالعثور على وظائف مرموقة في كبرى الشركات من أي مكان في العالم.

فرق العمل الموزعة عن بعد أصبحت توجُّها آخذا في الازدياد كل عام، لأن منصاتٍ (مثل مستقل) سهّلت توظيف تلك الفرق وسمحت للشركات بتجربة مدى فعالية الموظفين عن بعد ومدى ملائمتهم للوظائف الشاغرة، فالآلاف المستقلين العرب الذين يعملون عبر مستقل يقومون بإنجاز العديد من المشاريع في مجالات مختلفة مثل: صناعة المحتوى، الترجمة، التسويق، البرمجة وتطوير الويب وغيرها..

 إضافة إلى وجود منصات متخصصة في تأسيس فرق عمل عن بعد تحت الطلب للشركات (مثل خدمة مستقل VIP لإدارة تنفيذ المشاريع نيابة عن الشركات بالاعتماد على توظيف المستقلين).

خلال مسح أُجريَ لقادة الأعمال في قمة القيادة العالمية في لندن عام 2015 ، ذكر 34 % منهم أن أكثر من نصف القوى العاملة بدوام كامل للشركة سوف تعمل عن بعد بحلول عام 2020 ، وقال 25 % آخرون أن أكثر من 75 % من القوى العاملة، لن تعمل في مكاتب الشركة التقليدية بحلول عام 2020، وعلى الصعيد العالمي، أجرت الشركة الرائدة عالميا PGi Global استطلاعا أظهر أن 79٪ من العاملين في مجال المعرفة الذين شملهم الاستطلاع في جميع أنحاء العالم يعملون الآن خارج المكتب.

شركة Automattic توظف 400 شخص عن بعد من 40 دولة، شركة حسوب  توظف 33 شخصا من 9 دول حول العالم، شركة Groove توظف فريقا عن بعد بنسبة 100%، شركة Buffer توظف 80 شخصا عن بعد، وتخطط شركة TOYOTA العملاقة للسماح بعدد كبير من موظفيها بالعمل عن بعد.. وعدد كبير جدا من الشركات الأخرى تتجه إلى توظيف تلك الفرق مثل في عدة دول:  في المملكة العربية السعودية، الولايات المتحدة، بريطانيا، تركيا، الهند.. إلخ

ما الذي يجعل تلك الشركات الكبرى والناشئة تتجه إلى توظيف فرق عمل عن بعد إذا لم يكن توظيفها والعثور عليها أمرا يمكن التعامل معه، من خلال الاستفادة من التكنولوجيا؟

اقرأ أيضا: أهم المصادر والخطوات لتأسيس فريق عمل موزع عن بعد

  1. اختلاف المناطق الزمنية يشكل عائقا

يُعتَقدُ أنه من الصعب التواصل وإدارة فريق عمل عن بعد بسبب اختلاف المناطق الزمنية للموظفين، ولكن الشركات التي توظف تلك الفرق ابتكرت أدوات واستراتيجيات للتغلب على مصاعب فروق المناطق الزمنية، من خلال الاعتماد على نظام تراكب ساعات العمل بين الموظفين، تحرص شركة حسوب على الحفاظ على تراكب 3-4 ساعات عمل بين الموظفين كحد أدنى لتسهيل التفاعل بين الموظفين وتعزيز قيم العمل الجماعي، فريق Buffer الموزع على 11 منطقة زمنية، يخصص وقتا مناسبا لجميع موظفي الشركة لإجراء محادثات جماعية صوتية أو محادثات الفيديو، واستخدام الاتصالات غير المتزامنة، وإجراء الاجتماعات الثنائية والجماعية كل أسبوع، ونجح فريق Zapier في العمل ضمن 7 مناطق زمنية مختلفة باستخدام أداوت مثل: Slack، GoToMeeting، والاجتماعات السنوية للفريق في إحدى مدن العالم.

يتم استخدام الكثير من الأدوات لتجاوز تحديات المناطق الزمنية المختلفة مثل، أداة stride للدردشة الجماعية، Everytimezone أداة لمعرفة المناطق الزمنية المختلفة، وأداة تنظيم المهام trello، كما وتسعى بعض الشركات لجمع الفريق الموزع عن بعد مرة أو مرتين في السنة لتعزيز التواصل وزيادة الثقة والروابط الشخصية بين أعضاء الفريق.

تشير دراسات في بريطانيا إلى أن أكثر من نصف العاملين في المكاتب (60٪) سيعملون بانتظام من المنزل خلال العقد المقبل، كما أن عدد الموظفين من المنزل يتزايد بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة بحسب مسح قامت به غالوب، ويبدو أن جيل الألفية في كندا يميل إلى العمل المستقل أكثر مع تحول اقتصاد الخدمات المصغرة في كندا ليكون نموذج العمل الأكثر قبولا في البلاد، الكثير من الشركات الرائدة في الهند توظف أشخاصا عن بعد، وكثير من الشركات في دول العالم الأوروبية والآسيوية والإفريقية أصبحت توظف فرق العمل عن بعد، بعد أن اتضح أن كل تلك المخاوف والأساطير لا أساس لها من الصحة، لن يكون مستغربا أن العمل عن بُعد، خلال سنوات قليلة من الآن سيصبح مستقبل قطاع التوظيف في العالم، كلما تقدمت التكنولوجيا ومنحتنا أدوات أكثر ذكاء للعمل والتواصل، وأيضا الاستفادة من الإيجابيات والتغلب على السلبيات.

الكاتب: منجية إبراهيم